كتب ـ عماد إبراهيم
في ظل هذا الزخم المعلوماتي لم يعد الإنسان متلقيًا للمعلومة فقط بل أصبح منتجًا لها وناشرًا ومدافعًا عنها. وهي مساحة كان يمكن أن تثري الوعي لو صاحبتها المسؤولية. لكن بعض المنصات تحولت إلى ساحات مفتوحة يعين فيها كل شخص نفسه محاميًا يدافع وقاضيًا يحكم ومفتيًا يفصل ومنفذًا للعقوبة. فتنتشر الأحكام قبل اكتمال الحقائق وتصبح كرامة الإنسان وسمعة المؤسسات ومستقبل المجتمعات رهينة منشور أو مقطع مبتور.
لقد اختلط الحق في التعبير بادعاء امتلاك الحقيقة. وأصبح ارتفاع الصوت وكثرة التأييد دليلًا زائفًا على صحة الرأي. بينما الحقيقة لا تقاس بعدد المشاركات ولا تصنعها سرعة الانتشار. فقد تصل معلومة ناقصة إلى شخص فيضيف إليها من تصوره ثم تنتقل إلى غيره محملة بالتأويل حتى تتحول إلى قنبلة من الآراء المتضاربة تشعل المجتمع وتشتت وعيه.
وتزداد خطورة هذا المشهد عندما تؤثر موجاته في مؤسسات الدولة وصاحب القرار. فالاستماع إلى المجتمع ضرورة. لكن القرار الرشيد لا يصنعه الانفعال الرقمي ولا ينبغي أن تقيده حملات التأييد أو الرفض. بل يبنى على معلومات موثقة وتحليل متخصص وإجراءات تحفظ الحقوق وتصل إلى الحقيقة. لأن الاستجابة لضغط اللحظة قد ترضي صوتًا مرتفعًا لكنها لا تعالج أصل المشكلة.
ولم تتوقف آثار الرقمنة غير المنضبطة عند المجال العام. فقد امتدت إلى الأسرة والعلاقات الإنسانية حتى أصبح التواصل الرقمي بديلًا عن الحضور الحقيقي. وصار بعضنا يظن أن رسالة عابرة تؤدي معنى البر وأن رمزًا إلكترونيًا يغني عن مشاعر تحتاج إلى رعاية. فالعاطفة أصبحت رقمية والرضا والغضب والخصومة انتقلت إلى الشاشات. ومع كثرة الاتصال ضعفت الصلة الإنسانية وذبلت مساحات الحوار والرحمة والاحتواء.
لسنا ضد الرقمنة فهي من علوم العصر وأدوات تقدمه. ولكن قيمة التقنية تحددها طريقة استخدامها. فقد تبني المعرفة أو تنشر الوهم. وقد تقرب الإنسان من العالم أو تبعده عن أقرب الناس إليه. والمشكلة ليست في امتلاك الأدوات الحديثة بل في أن نمنحها القدرة على تشكيل عقولنا وعلاقاتنا وقراراتنا دون وعي أو ضوابط.
ولهذا لم تعد الأمية الرقمية هي الجهل باستخدام الأجهزة والتطبيقات. بل أصبحت أيضًا العجز عن التمييز بين الحقيقة والرأي وبين الخبر والتفسير وبين النقد والتشهير. والوعي الرقمي الصحيح يبدأ بالتثبت من المصدر وفهم السياق واحترام الخصوصية وعدم تداول ما يضر بالناس. كما يقتضي الاعتراف بأن الحرية مسؤولية وأن حق التعبير لا يمنح أحدًا حق الإدانة أو انتزاع اختصاص القانون والمؤسسات.
وفي عصر أصبحت فيه الأنظمة الذكية شريكًا في إنتاج المحتوى واتسعت فيه مصادر المعرفة لم تعد مهمتنا جمع المزيد من المعلومات فقط. بل أصبح المطلوب أن نقود المعرفة ولا ننقاد لها. وقيادتها تعني أن نسأل ونحلل ونقارن ونستنتج ثم نختار ما ينفع الإنسان ويحفظ قيمه. فالتقنية تستطيع أن تقدم المعلومة لكنها لا تحمل عنا مسؤولية الضمير ولا ينبغي أن تصبح قاضيًا على الناس أو بديلًا عن العقل والحكمة.
إن حماية الهوية الوطنية لا تعني الانغلاق عن العصر. بل تعني دخوله من موقع الإنسان الواثق بلغته وقيمه وانتمائه. فالمجتمع الذي يفقد بوصلته الأخلاقية قد يمتلك أحدث الأدوات لكنه يستخدمها في هدم ذاته. أما المجتمع الواعي فيأخذ من التطور قوته ويحفظ في الوقت نفسه كرامة الإنسان وتماسك الأسرة واحترام القانون وأخلاق الحوار.
ويبدأ التصحيح من محاسبة كل إنسان لنفسه قبل محاكمة الآخرين. فلا ينشر ما لم يتحقق منه ولا يصدر حكمًا فيما لا يعلم ولا يجعل حسابه منصة للإهانة أو التحريض. وتستعيد الأسرة حضورها الإنساني. ويعيد التعليم بناء قدرات التحليل والنقد والاختيار إلى جانب المعرفة. ويتحمل الإعلام مسؤوليته في التحقق والتفسير لا ملاحقة الإثارة. وتضع المؤسسات قنوات واضحة وسريعة لتلقي الشكاوى وتصحيح الأخطاء حتى لا تصبح المنصات بديلًا عن القانون.





More Stories
حين يصبح الظن سكينا
من التحدي إلى منصة التتويج حكاية أحمد الذي يحلم ببطولة العالم
السلام يبدأ من الإنسان قبل أن يبدأ بين الدول