Notice: Function _load_textdomain_just_in_time was called incorrectly. Translation loading for the change-wp-admin-login domain was triggered too early. This is usually an indicator for some code in the plugin or theme running too early. Translations should be loaded at the init action or later. Please see Debugging in WordPress for more information. (This message was added in version 6.7.0.) in /home/elsharkelawst/public_html/wp-includes/functions.php on line 6260
حين يصبح الظن سكينا * الشرق الأوسط نيوز
18 سبتمبر، 2026

الشرق الأوسط نيوز

آخر الأخبار تعرفونها فقط وحصرياً على الشرق الأوسط نيوز موقع اخباري شامل يدور حول العالم

حين يصبح الظن سكينا




بقلم: الكاتبة الدكتورة راندا ابو النجا

سلسلة: قضايا المجتمع

متى أصبح الشك دليلًا؟
ومتى أصبح الكلام المتداول حقيقة؟
ومتى منح الإنسان نفسه حق إصدار حكم لا يملكه فقط لأنه سمع رواية لم يعرف مصدرها؟

المؤلم أن الشائعة لا تكتفي أحيانًا بتشويه السمعة بل قد تتحول إلى شرارة تشعل الغضب وتدفع إلى العنف وربما تنتهي بفقدان حياة إنسان

وهنا لا نكون أمام مجرد كلام يتردد
بل أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية وإنسانية

حين يصبح الشك أخطر من الحقيقة

شهدنا خلال الفترة الأخيرة وقائع مؤلمة إرتبطت بإتهامات وشكوك وروايات متداولة حول نساء وفتيات وإنتهت بعض هذه الوقائع إلى نهايات مأساوية من بينها وقائع ما زالت تفاصيلها ودوافعها ومسؤوليات أطرافها محل تحقيق وفحص من الجهات المختصة

وفي واقعة مساكن الشوش بسوهاج ترددت عبر مواقع التواصل روايات تتحدث عن علاقة وصور ورسائل لكن الرواية المتداولة ليست حكمًا قضائيًا وما يُنشر على صفحات التواصل لا يمكن أن يحل محل التحقيقات الرسمية أو الأدلة التي تثبتها الجهات المختصة

وكذلك في واقعة آية رضوان الفتاة التي إرتبط إسمها بواقعة تغيب ثم عُثر عليها مقتولة داخل منزل أسرتها تبقى الحقيقة الكاملة مسؤولية جهات التحقيق ولا يجوز لنا أن نحول الروايات الأولية أو ما يتناقله الناس إلى يقين نهائي

فالحقيقة لا تُبنى على قيل وسمعت ويقال

والضحية لا تحتاج إلى رواية نضيف إليها من خيالنا
ولا تحتاج إلى أحكام نطلقها قبل أن تظهر الحقيقة

قال تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
سورة الإسراء – الآية 36

فليكن التثبت خُلقًا
والرحمة موقفًا
والعدل طريقًا

لأن الكلمة التي يطلقها الإنسان في لحظة غضب قد تصبح جرحًا لا يلتئم
وقد يتحول الإتهام الذي لم يثبت إلى وصمة تلاحق إنسانًا حتى بعد ظهور الحقيقة

فلا تجعلوا من الشائعة محكمة
ولا من الشك دليلًا
ولا من الغضب حكمًا

فالإنسان قد يُقتل مرة بالفعل
لكن قد يُقتل مرات بالكلمة وبالظن والحكم الجائر
ليست المشكلة فقط فيمن يطلق الشائعة
بل فيمن يسمعها ثم يمنحها ثقته
وفيمن يعيد نشرها دون أن يسأل
أين الحقيقة؟

الأخطر من الشائعة نفسها أن تتحول إلى قناعة
ثم تتحول القناعة إلى إتهام
ثم يتحول الإتهام إلى غضب
وقد يتحول الغضب في لحظة إلى جريمة لا يمكن التراجع عنها

وهنا يجب أن نتوقف قليلًا

من أعطى الإنسان الحق في أن يكون قاضيًا وجلادًا في الوقت نفسه؟

ليس من حق أحد أن يعاقب إنسانًا على ذنب لم تثبته جهة مختصة وليس من حق المجتمع أن يحاكم شخصًا بالروايات والصور والمقاطع المبتورة وما يُتداول على مواقع التواصل

الستر ليس تبريرًا للخطأ
والتثبت ليس دفاعًا عن المخطئ
والرحمة لا تعني إخفاء الحقيقة.

بل إن إنتظار الحقيقة هو أول درجات العدل
نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة في التعامل مع الأخبار والوقائع الحساسة ثقافة تعرف أن ليس كل ما يُنشر صحيحًا وليس كل ما يُقال دليلًا وليس كل صورة أو رسالة أو رواية تكشف القصة كاملة

وحين يتعلق الأمر بإمرأة أو فتاة يصبح الأمر أكثر خطورة لأن بعض المجتمعات قد تحمل المرأة وحدها ثمن الشائعة حتى قبل أن تُعرف الحقيقة

وقد تتحول السمعة إلى عقوبة إجتماعية والكلمة إلى سجن
والشك إلى حكم بالإدانة

وهنا أتساءل

هل أصبحنا نخاف على سمعة الإنسان أكثر من خوفنا على حياته؟

إن إحترام كرامة الإنسان لا يعني تبرئة أحد كما أن احترام القانون لا يعني الصمت عن الجريمة

لكن الفرق كبير بين أن نطلب الحقيقة وبين أن نصنع حقيقة من خيالنا

فلنترك التحقيق لمن يملك أدواته
والحكم لمن يملك حق إصداره،
ولنحتفظ نحن بإنسانيتنا

فالكلمة أمانة والإتهام مسؤولية
ونشر الشائعة ليس فعلًا عابرًا كما يظن البعض

قد تكتب تعليقًا وتغلق هاتفك
بينما يبقى أثر كلماتك في قلب إنسان سنوات

لا تقتلوا الإنسان مرتين
مرة بالفعل ومرة بالكلمة

ولا تجعلوا الشائعة أقوى من الحقيقة
ولا تجعلوا الغضب أسرع من العدل
ولا تجعلوا الظن يرتدي ثوب الشرف

همسة النفس
قبل أن تصدق ما تسمع.تذكر أن وراء الخبر إنسانًا ووراء الكلمة حياة ووراء الحقيقة حقًا لا يجوز أن نضيعه

رسالة المقال
التثبت ليس ترفًا بل حماية للإنسان وصون للكرامة وإحترام للحقيقة والعدل

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
سورة الحجرات – الآية 6

بصمة السلسلة
النفس هي منبع الفكر والفكر هو بداية الكلمة والكلمة قد تبني إنسانًا وقد تهدم حياة

بقلم: الدكتورة راندا أبو النجا
إعلامية وكاتبة
سلسلة: قضايا المجتمع