Notice: Function _load_textdomain_just_in_time was called incorrectly. Translation loading for the change-wp-admin-login domain was triggered too early. This is usually an indicator for some code in the plugin or theme running too early. Translations should be loaded at the init action or later. Please see Debugging in WordPress for more information. (This message was added in version 6.7.0.) in /home/elsharkelawst/public_html/wp-includes/functions.php on line 6260
الإلحاد ليس عقيدة.. إنه غياب العقيدة * الشرق الأوسط نيوز
11 سبتمبر، 2026

الشرق الأوسط نيوز

آخر الأخبار تعرفونها فقط وحصرياً على الشرق الأوسط نيوز موقع اخباري شامل يدور حول العالم

الإلحاد ليس عقيدة.. إنه غياب العقيدة

بقلم: شيما فتحي

نبدأ من الحقيقة التي طالما تحاشيناها في صخب نقاشاتنا: الإلحاد ليس عقيدة.

حين نتلفظ بكلمة “الإلحاد” في هذا العصر، فإننا لا ننطق بلفظ عابر. إننا ننطق بزلزال فكري ظل يهز ضمير الإنسان منذ ألفي عام.

لغوياً، لا يعني الإلحاد أكثر من “A-theism” أي “لا إله”. وهو لا يملك قداسة، ولا طقوساً، ولا وعداً بالجنة. إنه فراغ. المساحة التي خلفها السؤال حين عجز عن العثور على إجابة.

ولكن الإلحاد على امتداد التاريخ لم يكن موقفاً واحداً.
كان في أثينا سؤالاً فلسفياً عن الآلهة.
وكان في الشرق تأملاً في خواء الطقوس حين تفرغ من روحها.
وكان في أوروبا القرن الثامن عشر إعلاناً سياسياً ضد احتكار الكنيسة للحقيقة.
واليوم هو صرخة جيل يسأل: أين كان الإله حين انتصر العلم وفشلت الأخلاق؟

الإلحاد ليس ديناً جديداً له أنبياؤه وكتبه. إنه غياب.
غياب الإجابة الجاهزة. غياب الطمأنينة التي كان يوفرها “إن شاء الله”.
هناك إلحاد عملي يعيش دون أن يرفع بصره إلى السماء، وإلحاد متردد ينتظر الدليل، وإلحاد صريح يعلن نهاية زمن الغيب.

لكن جوهر الإلحاد لا يكمن في الإنكار. جوهره في الفراغ الذي يتركه الإنسان لنفسه حين تسقط من يده العصا التي كان يستند إليها: فراغ المعنى، وفراغ اليقين، وفراغ السؤال الخالد “لماذا أنا هنا؟ ولماذا نتألم؟ وإلى أين نمضي؟”

الإلحاد لا يمنح أجوبة. إنه يلقي بالمسؤولية كاملة على كاهل الإنسان: أن يصنع أخلاقه بنفسه، وأن يواجه الموت وحده، وأن يخترع لنفسه سبباً للاستمرار في عالم بلا وعد.

ولهذا كان الإلحاد دائماً أخطر من الكفر. فالكفر موقف من دين، أما الإلحاد فهو موقف من فكرة “الدين” نفسها.

من الشك إلى اليقين

في عصر اختلط فيه اليقين بالغباء، والإلحاد بالغرور، نحتاج إلى وثيقة. ليست سياسية ولا عسكرية، بل وثيقة إنسان جلس مع نفسه وواجه أخطر خصومه: عقله.

أولاً: الشك بوابة العقل
علمونا أن السؤال حرام، وأن التفكير تهمة، وأن الشك خطيئة. فكانت النتيجة أجيالاً من “المؤمنين” إيمانهم كورق يطيره أول سؤال.
والحقيقة التي نتهرب منها: الشك ليس عيباً. الشك هو خنجر العقل الذي يشق به طريقه إلى الحقيقة. ومن لا يشك لا يفكر، ومن لا يفكر لا يرى.
الإيمان الذي لا يمر بنار الشك هو إيمان أجوف. إيمان وراثة، لا إيمان يقين.

ثانياً: الكون توقيع لا يُنكر
انظر حولك. هذا الكون كتاب صفحاته مجرات، وسطوره قوانين، وحروفه أرقام لا تخطئ.
خلية واحدة في جسدك أعقد من مدينة كاملة بشوارعها وشبكاتها.
وقانون الجاذبية لا يتأخر ثانية، ومدار الإلكترون لا يحيد.
وبعد كل هذه الدقة، أيعقل أن يقال: “صدفة”؟ كتاب بلا مؤلف؟ قانون بلا مشرع؟ دقة بلا مقدر؟
هذا ليس إنكاراً لله بقدر ما هو هروب من العقل نفسه.

ثالثاً: الإنسان والحرية
خُلق هذا المخلوق حراً. أُعطي العقل ليفكر، والإرادة ليختار، ثم تُرك في هذه الأرض ليمتحن.
ولذلك جاءت الدنيا على ما هي عليه: فيها الخير والشر، والصحة والمرض.
فالجنة بلا اختبار لا معنى لها، والثواب بلا عمل لا قيمة له.
لو أراد الخالق عبيداً مسيرين لخلق ملائكة. ولكنه أراد بشراً يتحملون مسؤولية اختيارهم.
والشر إذن ليس شراً مطلقاً، إنه الثمن. إنه الوجه الآخر للحرية.

رابعاً: الإيمان.. قرار لا ميراث

وبعد رحلة طويلة في صحاري الفلسفة ومتاهات النظريات وضجيج الإيديولوجيات، يعود الإنسان إلى نقطة البداية. يكتشف أن ما كان يبحث عنه في الخارج كان يسكنه من الداخل. وأن الطريق كان الشك، والدليل كان العقل، والبيت كان القلب. وأن الله أقرب إليه من حبل الوريد.
وعندها تسقط كل الأصنام.

ولا يبقى في الساحة إلا أنت: عقلك، وحريتك، ومسؤوليتك.

هذه ليست دعوة للدين ضد العلم، ولا للعلم ضد الدين. إنها دعوة للإنسان. في زمن التطرف نحتاج إلى عقل يفكر، وفي زمن المادية نحتاج إلى قلب يؤمن، وفي زمن الضجيج نحتاج إلى صوت هادئ يقول: “لا تؤمن لأنهم قالوا لك. آمن لأنك فكرت فوصلت”.

التاريخ لا يكتبه المتفرجون. والإيمان لا يُورث. والحقيقة لا تُمنح.
الحقيقة تُنتزع بالعقل وبشجاعة المواجهة.

وإلى أن يحدث ذلك، ستظل المعركة مستمرة.
معركة الإنسان مع نفسه.