بقلم/ الكاتبة الدكتورة راندا ابو النجا
حين يبتسم الإنسان بينما تخوض روحه حربًا كاملة
«﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾
سورة البلد – الآية 4»
لم يقل القرآن إن طريق الإنسان سيكون خاليًا من المشقة، بل أشار إلى حقيقة إنسانية عميقة بقوله تعالى
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾؛ وكأن في الآية تذكيرًا بأن الحياة بطبيعتها تحمل الإختبار والمشقة والمسؤولية وأن الإنسان لم يُخلق ليعيش بعيدًا عن التحديات وإنما خُلق ليواجهها ويتعلم منها ويواصل الطريق
معارك لا يسمع لها أحد صوتًا
لكن هناك معارك لا يسمع لها أحد صوتًا
معارك لا تحتاج إلى ساحات ولا أسلحة وإنما تحدث في أعماق الإنسان حيث تتصارع المسؤوليات مع الرغبات والواجبات مع الراحة والخوف مع الأمل وما يجب أن يكون مع ما يتمنى الإنسان أن يكون
هناك إنسان يستيقظ كل صباح يؤدي عمله، ينجز مسؤولياته، يتحدث مع الآخرين يبتسم وربما يمنح من حوله كلمات الطمأنينة بينما يحمل في داخله أسئلة كثيرة لا يجد لها إجابة
وقد يبدو الإنسان قويًا؛ لأن الحياة علّمته كيف يبدو كذلك
فالإنسان لا ينهار دائمًا أمام الآخرين بل كثيرًا ما يختار أن يكمل طريقه وهو يحمل فوق كتفيه ما يكفي لإسقاطه
كم من إنسان قال: «أنا بخير» لأنه لا يملك رفاهية شرح ما بداخله؟
وكم من شخص اعتاد أن يكون سندًا للجميع حتى نسي أن يسأل نفسه يومًا
ومن سيكون سندًا لي عندما أتعب؟
ثقل الصورة التي صنعها المجتمع
المسؤولية ليست دائمًا في حجم ما نفعله وإنما في ثقل ما نشعر أننا مطالبون بحمله
فالإنسان قد يتحمل مسؤولية أسرة أو عمل أو مستقبل أو أشخاص يحبهم وقد يتحمل فوق ذلك كله صورةً صنعها المجتمع عنه صورة الإنسان القوي الذي لا يتعب، ولا يتردد ولا يسقط
وهنا تبدأ واحدة من أصعب المعارك
أن يصبح الإنسان أسيرًا لفكرة أنه يجب أن يكون قويًا طوال الوقت
والحقيقة أن القوة ليست في ألا يتعب الإنسان وإنما في أن يعرف كيف يتعامل مع تعبه دون أن يسمح له بأن يهزمه
ليس عيبًا أن يشعر الإنسان بالضغط ولا نقصًا أن يحتاج إلى لحظة صمت، ولا ضعفًا أن يبحث عن مساحة يستعيد فيها توازنه
فالروح مثل الجسد لها طاقة محدودة
وحين نطالبها بالعطاء المستمر دون راحة تبدأ في التعبير عن نفسها بطرق مختلفة مرةً بالصمت ومرةً بفقدان الشغف ومرةً بالرغبة في الإبتعاد عن كل شيء ولو لبعض الوقت
لكننا كثيرًا ما نخطئ في قراءة هذه العلامات
نقول عن شخص صامت إنه تغيّر وعن شخص إبتعد إنه متكبر وعن شخص لم يعد يحتمل النقاش إنه عصبي بينما قد يكون كل ما يحتاجه هو أن يلتقط أنفاسه بعيدًا عن ضجيج الحياة
ولهذا علينا أن نتعلم ألا نحكم على الإنسان من لحظته الأخيرة
فربما لم يكن قاسيًا بل كان متعبًا
وربما لم يكن باردًا بل إستنزفته كثرة العطاء
وربما لم يتغير وإنما تغيرت قدرته على الاحتمال
الرحمة ضرورة إنسانية
الحياة لا تكشف لنا دائمًا ما يحدث داخل الآخرين ولهذا فإن الرحمة في التعامل ليست رفاهية بل ضرورة إنسانية
كلمة طيبة قد تمنح إنسانًا قدرة على الاستمرار وموقف بسيط من الاحتواء قد يخفف عن قلبٍ لا نعرف حكايته بينما قد تترك كلمة قاسية أثرًا لا نعرف مداه
وفي النهاية، كل إنسان يحمل داخله شيئًا لا يراه الآخرون
هناك من يحارب من أجل مستقبله
ومن يحارب من أجل أسرته
ومن يحارب من أجل حلمه
ومن يحارب فقط كي يظل واقفًا في عالم لا يتوقف عن الضغط عليه
ولهذا لا تسأل الإنسان دائمًا
لماذا أنت قوي؟
ربما السؤال الأصدق
كم كان عليك أن تتحمل حتى أصبحت بهذه القوة؟
فبعض الوجوه التي نراها هادئة خاضت من المعارك ما كان كفيلًا بأن يجعلها تنكسر
لكنها لم تنكسر
بل تعلمت أن تحمل جراحها بكرامة وأن تمضي.وأن تؤمن أن الإنسان ليس مطالبًا بأن ينتصر كل يوم
يكفي أحيانًا أن ينجو من يومه ثم يبدأ من جديد
وعد يطمئن الروح
وفي وسط كل هذا الكبد وكل هذه المعارك يأتي الوعد الإلهي الذي يعيد للروح توازنها
«﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
سورة الشرح – الآيتان 5-6»
فليست كل معركة نهاية وليس كل ألم هزيمة وليس كل تأخر انكسارًا
أحيانًا يكون الإنسان في مرحلة إعادة تشكيل
تأخذ منه الحياة شيئًا لتمنحه وعيًا جديدًا
وتؤلمه تجربة لتجعله أكثر رحمة
وتثقله المسؤوليات، لتكشف له مقدار القوة التي لم يكن يعرف أنها بداخله
فأقسى المعارك ليست تلك التي يسمع عنها الناس بل تلك التي يخوضها الإنسان بصمت ثم يخرج إلى العالم في الصباح وكأن شيئًا لم يكن
وهنا تكمن عظمة الإنسان
ليس في أنه لا يتعب
بل في أنه رغم التعب يواصل الطريق





More Stories
دكتوراه بمرتبة الشرف وصالون سياسي عسكري رفيع.. كيف جمع اللواء ياسر وهبة “صقور الدولة” في مناقشة رسالة تقلب موازين “حروب الجيل الرابع”؟
غربال الأرواح.. حين تعيد العواصف ترتيب حكايانا
اتفاقية مكة: هل نحتاج إلى حلف ناتو شرق أوسطي؟