10 أغسطس، 2026

الشرق الأوسط نيوز

آخر الأخبار تعرفونها فقط وحصرياً على الشرق الأوسط نيوز موقع اخباري شامل يدور حول العالم

اتفاقية مكة: هل نحتاج إلى حلف ناتو شرق أوسطي؟

بقلم: شيما فتحي

في مكة، حيث يلتقي التاريخ بالجغرافيا، وقّعت ثلاث عواصم كبرى يوم الجمعة الماضية على ما سُمّي “اتفاقية الدفاع المشترك”.
السعودية، وتركيا، وباكستان. ثلاث دول سنية، حليفة تقليدية لواشنطن، قررت أن تكتب معاً سطراً جديداً في كتاب أمن المنطقة.

النص كان واضحاً وبسيطاً: “أي اعتداء مسلح على أي منا، هو اعتداء على جميعنا”.
عبارة تذكرنا فوراً بالمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلنطي. ولكن هل ما جرى في مكة هو “ناتو” جديد؟ أم أنه انعكاس لفراغ تركه الآخرون؟

السياق: عندما يتحرك التاريخ

لم تأتِ الاتفاقية في لحظة عابرة. لقد جاءت والمنطقة كلها على صفيح ساخن.
صواريخ تُطلق على ناقلات النفط في مضيق هرمز. وحرب ممتدة في غزة. وحوثيون يضربون العمق الخليجي. وفي الخلفية، واشنطن التي لطالما كانت الضامن، تبدو اليوم مشغولة بملفات أبعد: أوكرانيا، وتايوان، والتنافس مع الصين.

هنا أدركت الرياض وأنقرة وإسلام آباد حقيقة قديمة جديدة: “لا أحد سيحميك إن لم تحمِ نفسك بنفسك”.
والعامل الاقتصادي حاضر بقوة. فأمن مضيق هرمز هو أمن موازنات هذه الدول الثلاث. وأمن الخليج هو أمن شريان الطاقة العالمي.

النص والروح: ما بين الاتفاق والتطبيق

إذا قرأنا نص الاتفاق بعين القانون، سنجده قريباً من روح المادة الخامسة.
ولكن إذا قرأناه بعين السياسة، سنجد فجوة كبيرة.

فالناتو ليس مجرد تعهد. الناتو قيادة عسكرية موحدة، ومناورات، وخطط طوارئ، وقواعد.
أما “اتفاقية مكة” فحتى الآن هي إعلان مبادئ. لم تحدد “كيف” و”متى” و”بأي سلاح” سيتم الرد.

ويبقى السؤال الأصعب معلقاً: هل ستتقدم دبابة باكستانية للدفاع عن الرياض؟ وهل ستحرك أنقرة أسطولها لحماية موانئ الخليج؟
تركيا نفسها سارعت لتقول إن الاتفاق “دفاعي بحت وغير موجه ضد أحد”. وهي جملة دبلوماسية تعني أن أحداً لا يريد فتح جبهة جديدة مع طهران.

القاهرة في المعادلة: الدور الغائب الحاضر

اللافت في الأمر أنقرة أعلنت أن باب الاتفاق مفتوح. وذكرت مصر وقطر بالاسم كمرشحتين محتملتين للانضمام.
وهنا يبرز سؤال مصري خالص: هل نحتاج إلى هذا الحلف؟
مصر تملك أكبر جيش في المنطقة، وتملك عقيدة أمن قومي تقوم على عدم الانحياز وعلى مركزية الدولة الوطنية. ودخولها في تحالف عسكري مباشر سيغير من قواعد لعبتها التي حافظت عليها لعقود.
ولكن غيابها أيضاً قد يعني أن القرار الإقليمي يُتخذ من دونها. وهذه معادلة صعبة ستواجهها الدبلوماسية المصرية في الشهور المقبلة.

خريطة المصالح: من الرابح ومن الخاسر؟

في السياسة لا توجد صداقات دائمة، بل مصالح دائمة.
الرابح الأول هي الدول الثلاث. فقد صنعت لنفسها مظلة ردع إقليمية، وخففت من اعتمادها الكامل على الضمانة الأمريكية.

والخاسر المحتمل واضح أيضاً: إيران التي تجد نفسها اليوم أمام تحالف سني كبير على خاصرتها الغربية والشرقية. وإسرائيل التي ستضطر لإعادة حساباتها الأمنية.

واللافت أن طهران رحبت بالاتفاق ودعت إلى “وحدة المسلمين”. وهو ترحيب يحمل في طياته أكثر من معنى. فهل هو قبول بالأمر الواقع؟ أم مناورة لامتصاص الصدمة؟

كلمة أخيرة: عصر التحالفات عاد

خلاصة القول إن اتفاقية مكة، حتى لو ظلت حبراً على ورق، قد غيرت شيئاً مهماً.
لقد أعلنت نهاية مرحلة كان فيها أمن الخليج يُدار من قاعدة أمريكية في البحرين.

نحن الآن ندخل عصراً جديداً. عصر تعود فيه الدول الكبرى في الإقليم لترسم خطوط أمنها بيدها.
“الورق وحده لا يصد الصواريخ”. ولكن الورق الذي يحمل توقيع الرياض وأنقرة وإسلام آباد معاً.. هو ورق يغير المعادلات.

والأيام وحدها كفيلة بأن تجيب: هل كان ما حدث في مكة بياناً عابراً؟
أم أنه كان اللحظة التي ولد فيها قطب جديد في شرق أوسط يبحث عن توازنه المفقود؟