في الأسبوع الماضي، كنتُ في أحد مولات سموحة بالإسكندرية، ورأيت طفلة صغيرة تبكي لأن والدتها رفضت أن تشتري لها قناعًا بلاستيكيًا مشوهًا. كانت تريد أن تصبح شبحًا، وهي لا تعرف ما هو الشبح أصلًا. هذا المشهد الصغير لخص الحكاية كلها.
لم يعد الهالوين ذلك العيد البعيد الذي نراه في أفلام الرعب الأمريكية. اليوم، صرنا نراه في نوادي القاهرة ومولات الإسكندرية؛ أطفال يرتدون الأقنعة، وشباب يشترون ثمار القرع البلاستيكية. والسؤال لم يعد: هل نحتفل بالهالوين أم لا؟ بل صار: من نحن حين نقلد ما لا نفهم؟
الحقيقة التي تخفيها الأقنعة هي أن الهالوين ليس عيدًا أمريكيًا كما يظن الكثيرون، فعمره ثلاثة آلاف عام. بدأ في حقول أيرلندا الباردة باسم “عيد نهاية الصيف”، وكان الفلاحون القدامى يؤمنون بأن ليلة الحادي والثلاثين من أكتوبر هي الليلة الوحيدة التي يصبح فيها الحجاب بين عالم الأحياء وعالم الأموات رقيقًا، فتعود الأرواح. وخوفًا منها، كانوا يشعلون النيران الضخمة ويرتدون جلود الحيوانات وأقنعة مخيفة، ليخدعوا الأرواح بأنهم موتى مثلها. وكانت تلك هي البذرة الأولى لفكرة التنكر.
ثم جاءت روما، ثم جاءت الكنيسة. ففي القرن الثامن الميلادي، حدد البابا جريجوري الثالث يوم الأول من نوفمبر عيدًا لجميع القديسين، فأصبحت الليلة التي تسبقه تسمى “ليلة جميع القديسين”، وهي التي حُرِّفت مع الوقت إلى كلمة “هالوين”. وحتى فكرة جمع الحلوى التي نراها اليوم، لم تكن حلوى في الأصل، بل كانت طقسًا إنجليزيًا قديمًا يسمى “كعك الروح”، حيث كان الفقراء والأطفال يطرقون الأبواب يطلبون كعكة صغيرة مقابل الدعاء لأرواح موتى أصحاب البيت.
إذن، الهالوين في أصله كان خوفًا، ثم أصبح صلاة، فماذا فعلت به أمريكا؟ حولته إلى تجارة.
عندما هاجر الأيرلنديون إلى الولايات المتحدة بعد مجاعة البطاطس الكبرى عام 1845، حملوا معهم أساطيرهم. وهناك وجدتها هوليوود وشركات الحلوى فرصة ذهبية، فحولتها من طقس روحي إلى تجارة تدر أكثر من 12 مليار دولار سنويًا من بيع الأزياء والحلوى، خاصة بعد صدور فيلم الرعب الشهير “هالوين” عام 1978 للمخرج جون كاربنتر.
أنا هنا لا أهاجم الفرح، ولا أريد أن أفسد على طفلة فرحتها بقناع. أنا ضد أن نقلد ونحن مغمضو الأعين.
لدينا في تراثنا ما هو أغنى وأعمق. نحن كمصريين، نملك مخزونًا هائلًا من الرعب الجميل والأساطير، من النداهة إلى أمنا الغولة، ونملك الرعب الراقي الذي كتبه الدكتور أحمد خالد توفيق، الذي علمنا أن الخوف فكرة وليس قناعًا رخيصًا من البلاستيك.
عندما نحتفل بالهالوين دون أن نعرف أن اللون البرتقالي كان يرمز لموسم الحصاد والحياة، وأن الأسود كان يرمز للموت والشتاء، ودون أن نعرف أسطورة الفلاح البخيل صاحب القرعة المضيئة، فنحن لا نحتفل، بل نقلد تقليدًا أعمى.
الهالوين يعلمنا درسًا مهمًا: الإنسان منذ فجر التاريخ يخاف الموت، وكل حضارة اخترعت طريقتها لتسخر منه. القدامى سخروا منه بالتنكر، والمؤمنون الأوائل سخروا منه بالصلاة، والأمريكان سخروا منه بتحويله إلى كيس حلوى.
الهالوين ليس قناعًا نشتريه، بل هو اختبار نرسب فيه كل عام. نحن لا نحتفل مع العالم، بل نتسول فرحته. فالطفلة التي بكت من أجل قناع في سموحة، ستبكي غدًا لأنها حفظت أسطورة دراكولا ونسيت صرخة النداهة في ترعتنا.
الهالوين ليس حلالًا ولا حرامًا، ولا رقيًا ولا انحطاطًا، بل هو مرآة. إذا فهمنا قصته، يمكن أن يكون مناسبة ثقافية للتعرف على الآخر، وإذا قلدناه بلا فهم، سيبقى مجرد كيس حلوى فارغ وقناع رخيص.
More Stories
حرب المسيرات والتحالفات: هل دخل الصراع السعودي-الحوثي مرحلة “كسر العظم”؟
لديّ نظريتي الخاصة التي تقول… بأن سيناء جنة الله في الأرض
أكتوبر والخداع الاستراتيجي.. حين انتصر العقل قبل السلاح