بقلم: [فاطمه القاضي]
دخل النزاع المستمر بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثي في اليمن منعطفاً عسكرياً وسياسياً هو الأكثر خطورة منذ سنوات. ومع إطلاق الحكومة اليمنية الشرعية وبدعم من التحالف بقيادة الرياض لعملية “فجر اليمن” العسكرية لصد التمدد الحوثي في مناطق استراتيجية قرب ساحل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، يبدو أن الصراع قد تجاوز حدود “حرب الاستنزاف” التقليدية ليتحول إلى مواجهة مفتوحة ترسم ملامح إقليمية جديدة.
العمق السعودي في مرمى النيران
لم تعد المعادلة العسكرية تقتصر على الجبهات الداخلية اليمنية؛ بل انتقل الثقل الأكبر إلى استراتيجية “نقل المعركة إلى أرض الخصم” التي تنتهجها جماعة الحوثي عبر تكثيف الهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الانقضاضية.
وقد شكّل الهجوم الصاروخي الأخير الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض في العاشر من أكتوبر الجاري، وأسفر عن سقوط ضحايا ومدنيين، تحولاً دراماتيكياً في بنك الأهداف الحوثية، تبعه استهداف متكرر للمنشآت النفطية التابعة لشركة “أرامكو”. هذه الضربات لم تعد تمثل تهديداً أمنياً محلياً للمملكة فحسب، بل باتت تضغط بشكل مباشر على عصب الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة الدولية.
جدار دفاعي إقليمي ودولي حول الرياض
أمام هذا التصعيد غير المسبوق، بدأت ملامح حشد عسكري وسياسي دولي وإقليمي تتبلور لحماية العمق السعودي، وهو ما يعكس القلق من انهيار الاستقرار الإقليمي:
• القاهرة وخطوط الدفاع الحمراء: جاء الموقف المصري حاسماً على لسان الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أكد استعداد بلاده لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمن السعودية في مهمة وصفها بالدفاعية، وسط ترقب برلماني لتفويض رسمي أُرجأ التصويت عليه لمزيد من المدارسة.
• المظلة الجوية البريطانية: دخلت لندن على خط الأزمة بإعلان وزارة الدفاع البريطانية عزمها نشر مقاتلات من طراز “تايفون” لتقديم إسناد دفاعي وجوي للتصدي للمسيرات والصواريخ الحوثية.
• إعادة التموضع الإماراتي: عادت أبوظبي لتعزيز التنسيق العسكري والمالي مع الرياض لدعم القوات المناهضة للحوثيين في جنوب اليمن، مما يعيد إحياء التماسك العسكري للتحالف.
الداخل اليمني: كلفة إنسانية باهظة
في المقابل، تشهد الجبهات الداخلية في مأرب، وشبوة، وتعز معارك هي الأعنف، حيث تدفع القوات المحلية والمدنيون كلفة باهظة جراء الضربات المتبادلة، والتي كان أحدثها الاستهداف الصاروخي الحوثي لمعسكر تدريبي في شبوة أوقع عشرات القتلى والجرحى.
سيناريوهات مفتوحة
بينما يسعى التحالف بقيادة الرياض من خلال عملية “فجر اليمن” إلى تأمين الملاحة الدولية في مضيق باب المندب وحماية حدوده الجنوبية، يصر الحوثيون على فرض معادلة ردع جديدة عبر سلاح الجو المسير.
تضع هذه التطورات المجتمع الدولي أمام حقيقة واضحة: إن تجميد الصراع لم يعد خياراً واقعياً، وأن ممرات التجارة العالمية في البحر الأحمر باتت رهينة لنتائج الميدان، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات تتأرجح بين تصعيد شامل لا يرحم، أو تسوية سياسية كبرى تُفرض تحت ضغط النيران المتصاعدة.





More Stories
لديّ نظريتي الخاصة التي تقول… بأن سيناء جنة الله في الأرض
أكتوبر والخداع الاستراتيجي.. حين انتصر العقل قبل السلاح
المساكنة.. الوهم الأمريكي على ضفاف النيل