Notice: Function _load_textdomain_just_in_time was called incorrectly. Translation loading for the change-wp-admin-login domain was triggered too early. This is usually an indicator for some code in the plugin or theme running too early. Translations should be loaded at the init action or later. Please see Debugging in WordPress for more information. (This message was added in version 6.7.0.) in /home/elsharkelawst/public_html/wp-includes/functions.php on line 6260 أكتوبر والخداع الاستراتيجي.. حين انتصر العقل قبل السلاح * الشرق الأوسط نيوز
في تلك السنوات الست، عاشت المنطقة وهمين متناقضين؛ وهمٌ استبدَّ بإسرائيل وصوَّرها قوة لا تُقهَر، ووهمٌ آخر استبدَّ بالقاهرة وصوَّرها ضعفًا لا يبرأ. فكان لا بد من فعل يكسر الوهمين معًا.
من يقرأ ميزان القوى عشية أكتوبر، يدهشه المشهد. من جانب، سلاح سوفيتي قديم، ودفاع جوي محدود، واقتصاد يلتقط أنفاسه. ومن جانب آخر، جسر جوي أمريكي مفتوح وتفوق جوي مطلق. وكان تقدير الجميع في واشنطن وموسكو أن ميزان القوى لا يسمح لمصر بالحرب. حتى إن السؤال الذي تردَّد في الغرف المغلقة كان واحدًا: هل يجرؤ المصريون على الحرب؟
وهنا بدأت الحرب الحقيقية.. حرب الخداع.
إسرائيل لم تُخدع بالصمت، بل أُغرقت في اللغط. لغطٌ معلن عن خلافاتنا مع السوفيت، ومناورات متكررة نعلن عنها ثم نفكها، وشكوى لا تتوقف من نقص السلاح. وكان الهدف أن يملَّ العدو من المراقبة. وقد ملَّ. ودوَّنت أجهزة استخباراته أن المصريين دخلوا في حالة “استرخاء المحارب”.
وكان وراء كل هذا رجل يكره الكلام.
رجل يجلس في غرفة عمليات لا يدخلها إلا القليلون، في المركز 10، وأمامه ليست خريطة عادية، بل خريطة لمأساة مركبة: مانع مائي، وفوقه نار النابالم، وخلفه ساتر ترابي، وخلف الساتر خط بارليف. معادلة تقول إن العبور مستحيل. هذا الرجل كان المشير محمد عبد الغني الجمسي.
والحقيقة التي نسيها الكثيرون أن الحل الذي وضعه الجمسي لم نستورده من موسكو ولا طلبناه من واشنطن. لم يكن في كتب الأكاديميات. كان حلًّا مصريًا خالصًا، وليد هذه الأرض والطين. ضابط مهندس يقترح خراطيم المياه لتجريف الساتر، وجندي صاعقة يسد مواسير النابالم بالأسمنت، ومهندس مدني يؤكد أن الجسور يمكن أن تُمد تحت القصف.
ثم كانت الطبقة الأعمق من خطة الجمسي. لم يكن السلاح وحده هو ما عبر، بل الخداع هو الذي عبر أولًا. كان القرار أن نكذب على الجميع. نكذب على العدو ليطمئن، ونكذب على الصديق لكي لا يبوح، ونكذب حتى على جنودنا إلى أن تحين الساعة. هكذا تحولت السرية في حرب أكتوبر من مجرد إجراء أمني إلى السلاح الأول.
والحقيقة أن قرار أكتوبر لم يكن قرارًا عسكريًا يبحث عن نصر شامل، بل كان قرارًا سياسيًا يبحث عن تحريك. كان المطلوب تحريك القضية من الجمود. عشرة كيلومترات في سيناء، موطئ قدم، علم مصري على الضفة الأخرى، ثم تترك البنادق مكانها للسياسة.
ولأنها كانت حربًا سياسية بغطاء عسكري، كان الخطأ حين حاولنا أن نكون عسكريين أكثر من اللازم.
الثغرة لم تكن نصرًا إسرائيليًا، كانت ثمنًا لغياب الانضباط.
لقد كانت عبقرية أكتوبر في أنها عرفت حدودها، لكننا يوم الرابع عشر من أكتوبر نسينا هذه الحقيقة. خرجنا من عباءة الخطة المحدودة التي وضعها الجمسي، وارتدينا ثوبًا عسكريًا واسعًا لا يناسبنا. دفعنا ثمنه مائتين وخمسين دبابة في ساعات، وخسرنا التوازن.
وهنا وجد شارون الفراغ. الفراغ الذي تركه تطوير الهجوم بين الجيشين الثاني والثالث. تسلَّل في الليل بسبع دبابات في البداية عند الدفرسوار، ثم تضخمت الحكاية في الإذاعات حتى صارت ثلاث فرق على مشارف القاهرة.
ولما سُئل الجمسي في المركز 10 عن حجم الثغرة، قال ببروده المعتاد: “شارون في جيبي”.
لم يكن الرجل يبالغ، وهذه هي الحقيقة التي غابت عن الإذاعات. في الطبقة السطحية من المشهد، كانت الثغرة تبدو اختراقًا، وصورة شارون على الضفة الغربية تبدو نصرًا. لكن في الطبقة الأعمق من الخريطة، كان المشهد مقلوبًا تمامًا. فالسويس التي قاتلت ببسالة لم يستطع دخولها، والإسماعيلية التي صمدت لم يقترب منها. ظل محاصرًا من ثلاث جهات، معلقًا في صحراء مكشوفة، لا يملك إلا انتظار عدسات التلفزيون.
كانت عملية تلفزيونية بامتياز، أراد بها أن يستبدل صورة بصورة. أن يمحو صورة العلم المصري على الضفة الشرقية، وهي لب الموضوع كله، بصورة علم إسرائيلي على الضفة الغربية.
وهنا كانت عبقرية الجمسي الثانية. لم ينجرَّ وراء الاستفزاز. ترك شارون محاصرًا، وترك السياسة تكمل ما بدأه السلاح. فالثغرة وإن أوجعت عسكريًا، أكدت سياسيًا أن الحرب قد حققت هدفها.
لقد كانت الثغرة درسًا قاسيًا: أن العقل الذي انتصر بالخداع لأنه عرف حدود قوته، كاد أن يهزم نفسه حين نسي هذه الحدود. لكن التاريخ لا يُحسب بالخرائط التي تُرسم في الإذاعات، أما الأوطان فتبقى على الأرض.
لم تكن عبقرية أكتوبر في شجاعة الجندي، فهذه مسألة مفروغ منها في تاريخ هذا الجيش. العبقرية كانت في إعطاء هذه الشجاعة معنى وتوقيتًا وخريطة.
لقد كانت حرب أكتوبر في جوهرها انتصارًا لعبقرية المكان على غرور الزمان، وانتصارًا للعقل المصري الذي أدرك أن الجغرافيا لا تكذب.
في السادس من أكتوبر انتهت أسطورتان معًا: أسطورة جيش لا يُقهَر، وأسطورة شعب لا يقدر. في ذلك اليوم، انتهى عصر كان الشرق الأوسط فيه يُدار من خارج الشرق الأوسط، وبدأ عصر أصبح فيه الدم المصري هو الحبر الذي تُكتب به خرائط المنطقة.
More Stories
المساكنة.. الوهم الأمريكي على ضفاف النيل
وسائل التواصل الإجتماعي بين معركة الوعي وبناء الإنسان
حين يصبح الظن سكينا