4 نوفمبر، 2026

الشرق الأوسط نيوز

آخر الأخبار تعرفونها فقط وحصرياً على الشرق الأوسط نيوز موقع اخباري شامل يدور حول العالم

قمة موسكو تعلمنا: من لا يملك رغيفه لا يملك قراره بوتين: القمح سلاح.. والسيادة ثمنه

بقلم الإعلامية ـ شيما فتحي

لستُ أبالغ إذا قلتُ إن تاريخ العالم كُتِبَ بالقمح قبل أن يُكتب بالمدافع.

في عام 1956، لم يُعاقب الرئيس الأمريكي أيزنهاور جمال عبد الناصر بتحريك الأسطول السادس، بل بقرارٍ أبسط وأقسى: أوقف شحنة القمح الأمريكية إلى مصر. يومها خرجت من القاهرة الجملة التي بقيت دستورًا للأمن القومي: “مَن لا يملك قوته، لا يملك قراره”.

ظننا أن الفصل أُغلق، فإذا به يُفتح من جديد، بعد سبعين عامًا، في قاعة الكرملين، يوم 28 و29 أكتوبر 2026.

ثمانٍ وأربعون دولة أفريقية، من بينها اثنان وعشرون رئيس دولة، اجتمعت حول طاولة واحدة. الرقم ليس بروتوكوليًا كما يبدو في نشرات الأخبار. ثمانٍ وأربعون دولة تعني أن 87% من قارةٍ بأكملها جاءت لتستمع. لم تأتِ لتسمع خطبةً عن الصداقة، بل لتسمع عرض سعر.

والسؤال الذي لم يسأله أحد: ماذا تشتري روسيا بـ 27.8 مليار دولار؟

هذا هو حجم التجارة الروسية – الأفريقية كلها في 2024، وفقًا للجمارك الفيدرالية الروسية. رقم هزيل إذا قارنته بنحو 300 مليار دولار، وهي حجم تجارة الصين مع القارة نفسها. إذن، لماذا جاءت أفريقيا إلى موسكو وتركت بكين؟

لأن موسكو لا تبيع سلعة، بل تبيع ما لا يبيعه أحد غيرها.

أمريكا تبيع لأفريقيا محاضرةً عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، مشروطةً ومراقبة.
والصين تبيع طريقًا سريعًا وميناءً، بفائدةٍ وقسط.

أما روسيا، فتبيع شيئًا ثالثًا، أرخص وأكثر إغراءً: تبيع رغيفًا رخيصًا اليوم، ومظلةً سياسيةً ضد شروط صندوق النقد غدًا، وخوارزمية ذكاء اصطناعي بلا شروط بعد غد.

الجائع لا يستمع إلى المحاضرة. الجائع يتبع من يملأ بطنه. بهذا المنطق البسيط، يشتري الكرملين صوتًا في الأمم المتحدة بجوال قمح، وقاعدةً عسكريةً على البحر الأحمر بشحنة ذرة.

وهنا مكمن الخطر الحقيقي في قمة موسكو، وهو ما لم ينتبه له كثيرون.

الأنظار كلها ذهبت إلى الإعلان السياسي المُكوَّن من 101 نقطة، والذي يطالب بإصلاح البنك الدولي وصندوق النقد. لكن الوثيقة الأخطر كانت وثيقةً أخرى، صغيرةً وهادئة، بعنوان: “التعاون في الاستخدام المدني لتقنيات الذكاء الاصطناعي”.

روسيا تعرض على الحكومات الأفريقية نماذج ذكاء اصطناعي لا تسأل عن “الحوكمة” و”الشفافية” كما تفعل النماذج الأمريكية. هذا هو بالضبط سيناريو الـ 5G الصيني، يتكرر الآن في مجال الخوارزميات. من يملك خوارزمية الأخبار في نيروبي أو أديس أبابا اليوم، سيملك الرأي العام فيها غدًا.

ثم تأتي الحيلة الكبرى، التي تربط القمح بالمفاعل.

روسيا تقول: أُعطيك قمحًا رخيصًا لتُطعم شعبك هذا الشتاء، وأبني لك مفاعلًا نوويًا يُضيء بلدك بعد عشر سنوات. مصر، وإثيوبيا، وغانا، ورواندا.. كلها على القائمة. تبدو صفقةً كريمة، لكنها في علم الاقتصاد أذكى عقد تبعية في القرن.

القمح هو نفوذ قصير المدى. المفاعل هو فاتورة تمتد لأربعين سنةً قادمة: وقود نووي، وصيانة، وقطع غيار، وخبراء. من يملك المفاعل، يملك فاتورة الكهرباء لجيلين كاملين.

ومصر تقف في قلب هذه المعادلة، بين المأساة والحل.

نحن نستهلك نحو 20.6 مليون طن من القمح، وننتج نحو 9 ملايين طن فقط، ونستورد ما بين 10 و12 مليون طن، فاتورتها المعلنة 4.35 مليارات دولار في 2024. لكن الفاتورة الحقيقية أكبر. هناك علاوة مخاطر جيوسياسية إضافية هي تأمين وشحن لأن السفينة روسية والبنك الروسي مُعاقَب. نحن ندفع ضريبة حربٍ لسنا طرفًا فيها، يدفعها الفلاح في المنيا قبل الموظف في القاهرة.

ولسنا في حاجةٍ إلى وهم الاكتفاء الذاتي الكامل. لا دولة في العالم تكتفي من كل شيء. حتى أمريكا تستورد. القوة الحقيقية ليست أن تزرع كل شيء، بل أن تفرض شروط الشراء.

والتجارب أمامنا، لمن أراد أن يقرأ بغير عواطف:

التجربة الأولى: المقايضة تحرر الدولار.
المسألة ليست فنية، بل سياسية. نحن نذهب إلى السوق العالمي بعملة لا نملكها، لنشتري سلعة لا غنى لنا عنها، من دولة تحتاج سلعًا نملكها. روسيا تريد برتقالنا وبطاطسنا. فلماذا نصر أن ندفع بالدولار؟ الهند لم تفعل. اشترت النفط الروسي بالروبية. ونحن نستطيع أن نشتري القمح بالبرتقال. البرتقال هنا ليس فاكهة. البرتقال عملة. المسألة ليست مقايضة عشوائية. المسألة: ماذا تريد موسكو فعلاً؟

التجربة الثانية: الأسطول يحرر النقل.
كيف لدولةٍ تملك قناة السويس، أهم ممر للحبوب في العالم، ألا تملك سفينة حبوب كبيرة واحدة؟ نحن ندفع تكلفة إضافية على كل طن كإيجار سفن. أسطول صغير من عشر سفن يخفض الفاتورة فورًا.

التجربة الثالثة: المخزون يحرر القرار.
عندما يكون مخزونك أربعة أشهر فقط، فأنت تشتري وأنت مضطر، والمضطر يدفع أي ثمن. عندما يكون مخزونك تسعة أشهر، كما تفعل الصين، فأنت تشتري عندما ينخفض السعر. المخزون ليس مجرد أمن غذائي، بل هو بنك مركزي آخر.

الدرس الأخير الذي تعلمناه من قمة موسكو هو أن الغذاء لم يعد سلعةً في سوق. الغذاء أصبح عملةً، تمامًا كالدولار واليورو.

ومَن لا يملك عملته، لن يملك قراره.