15 أغسطس، 2026

الشرق الأوسط نيوز

آخر الأخبار تعرفونها فقط وحصرياً على الشرق الأوسط نيوز موقع اخباري شامل يدور حول العالم

غربال الأرواح.. حين تعيد العواصف ترتيب حكايانا

بقلم ـ فاطمة القاضي

في عالمٍ يضج بالزحام، ويقاس فيه النجاح الإنساني أحياناً بـ”عدد” المحيطين بنا، يقع الكثيرون في فخ “الوفرة المزيفة”.
نجمع الوجوه كما نجمع الإعجابات العابرة على شاشاتنا، وظننا أن الكثرة جدار استنادي يحمينا من تقلبات الأيام.
لكن الحقيقة، التي لا تنجلي إلا في العتمة، تقول غير ذلك تماماً.
إن أثمن ما قد يملكه المرء في رحلته، ليس جيشاً من الحاضرين بأجسادهم، بل قلوبٌ تقرأ الصمت، وتسمع النبض الخافت وسط الضجيج.

عبقرية الحضور دون نداء

العمق الحقيقي للعلاقات لا يُقاس بالمسافات ولا ببروتوكولات التواصل اليومي، بل بتلك “الرادارات الروحية” التي تجعل أحدهم يأتيك دون أن تناديه.
إنه ذلك الصديق أو الشريك الذي يلمح انطفاءة عينيك خلف ابتسامتك المصنوعة، فيمد يده ليربت على كتفك دون أن تضطر لشرح حجم الأثقال التي تنوء بها روحك.
هذا النوع من الحضور ليس مجرد “واجب اجتماعي”، بل هو أسمى درجات الذكاء العاطفي والاتصال الروحي.
إن الحاجة إلى تفسير الألم لمن نحب هي مشقة إضافية، بينما الطمأنينة الحقيقية تكمن في ذلك اليد التي تمسك بيدك لتخفف عنك العبء، دون أن تطلب منك فاتورة شرح أو تبرير.

العواصف كأدوات للتطهير
على المقلب الآخر من الحياة

نتحاشى العواصف ونخشى الرياح العاتية التي تضرب استقرارنا المزعوم.
نرى في الأزمات العاطفية، والخذلان، والمواقف القاسية “عراقيل” تقف في طريق بهجتنا.
غير أن القراءة العميقة لسنن الكون والأنفس تكشف لنا وجهاً آخر خلف قناع الإعصار؛ فليست كل العواصف تأتي لعرقلة الحياة وتدميرها، بل إن بعضها يأتي كضرورة حتمية للتنظيف.

العاصفة في جوهرها هي “غربال الأرواح”.

إنها تأتي لتهز الأشجار الضعيفة والمنافقة في حياتنا، فتسقط الأوراق الصفراء التي كانت تتشبث بالأغصان زيفاً.
لولا تلك العواصف المفاجئة، لبقينا محاطين بأشخاص ومواقف تستهلك طاقاتنا دون وجه حق.
الأزمة لا تخلق الخذلان، بل تكشفه فقط.
معمارية الروح الجديدةحين تنتهي العاصفة، قد نلتفت حولنا فنجد الساحة قد خلت إلا من القليل. قد نشعر بنوع من الفقد أو الغربة في البداية، لكن الصمت الذي يلحق الإعصار هو في الواقع مساحة نقية لبناء معمارية روحية جديدة.

مساحة لا يدخلها إلا من أثبتت الرياح ثبات أوتاده، ومن جاءك طوعاً حاملاً قنديله ليضيء عتمتك.

في النهاية، علينا أن نمتن لتلك اللحظات القاسية التي تعيدنا إلى حجمنا الحقيقي وإلى حقيقتنا العارية.
إن رصيدنا الفعلي في هذه الحياة لا يقاس بـ”كم” العابرين، بل بـ”كيف” الباقين؛ بأولئك الذين يملكون شجاعة البقاء والتربيت، والذين تجدهم دائماً يرممون ما أفسدته عواصف الزمن، ليؤكدوا لنا أن الحياة بعد كل تنظيف… تصبح أجمل وأكثر اتساعاً.