حوار أجرته: [فاطمه القاضي]
عندما يتحدث التاريخ العسكري لانتصارات أكتوبر، يقترن الحديث دائماً برجالٍ عاصروا التخطيط، وعاشوا كواليس المعركة من داخل غرفة العمليات.
ومن بين أبرز هذه القامات، اللواء الدكتور سمير فرج، المفكر العسكري المرموق، الذي يفتح لنا في هذا الحوار الخاص خزائن ذكرياته وأسرار ملحمة العبور، مسترجعاً لحظات الخداع الاستراتيجي، ومحللاً عقيدة المقاتل المصري، لينقل لجيل الشباب الحالي روشتة مواجهة حروب الجيلين الرابع والخامس، ويكشف الرؤية الاستراتيجية الحالية لتنمية سيناء كخط دفاع أول عن الأمن القومي.
* سيادة اللواء، بصفتكم أحد القادة الذين عاصروا التخطيط لحرب أكتوبر من داخل غرفة العمليات؛ ما هي اللحظة الفاصلة التي شعرتم فيها أن “عنصر المفاجأة” قد نجح تماماً وأربك حسابات العدو؟
اللواء سمير فرج: اللحظة الحاسمة التي تأكدنا فيها من نجاح عنصر المفاجأة بنسبة 100%، كانت مع انطلاق الضربة الجوية الأولى بمشاركة 220 طائرة مقاتلة. عندما عبرت هذه الطائرات قناة السويس ونفذت كافة أهدافها بدقة ودمرت حصون وتمركزات العدو، دون أن يبدي العدو أي رد فعل أو حراك للدخول في المعركة، أدركنا على الفور أن العدو قد شُلّ تماماً ووقع تحت تأثير المفاجأة الصادمة.
لقد نجحت الضربة الجوية بالكامل لدرجة أنه لم يعد هناك أي حاجة لتكرار موجة ثانية منها، وهي اللحظة التي أربكت حسابات القيادة الإسرائيلية وبعثرت أوراقها في الدقائق الأولى للحرب.
* خطة الخداع الاستراتيجي لحرب أكتوبر ما زالت تُدرس في المعاهد العسكرية العالمية؛ من وجهة نظركم، ما هي التفاصيل التي لولاها لربما تغير مسار نجاح هذا الخداع؟
اللواء سمير فرج: الخداع الاستراتيجي كان نتاج منظومة معقدة من التفاصيل الدقيقة، وأي هفوة أو تسريب في أي جزئية كان كفيلاً بكشف الأمر وإفشال المخطط.
على سبيل المثال، عملية تجميع القوات للهجوم والتي استغرقت أكثر من شهر كامل، كانت تفصيلة شديدة الحساسية لو كُشفت لتغير مسار التاريخ. كذلك التحركات السرية للقوات التي كانت متوجهة لإغلاق مضيق “باب المندب” لفرض الحصار البحري، بالإضافة إلى ما قام به “أشرف مروان” في ملف المعلومات وتوجيه دفة التضليل؛ كل هذه كانت تفاصيل محورية لو تسرب منها خيط واحد لربما تغيرت معادلة النجاح بالكامل.
* عشتِ فترة حرب الاستنزاف المريرة وفترة إعادة البناء؛ كيف استطعتم قيادة الحالة النفسية للمقاتل المصري وتحويل إحباط 1967 إلى طاقة تحدٍ وعزيمة في 1973؟
اللواء سمير فرج: العقيدة هي السر؛ المقاتل المصري كان لديه إصرار وعقيدة راسخة بأنه يجب أن يحرر أرضه بأي ثمن. تخيلوا أن جنودنا ظلوا لست سنوات كاملة يروحون ويغدون وهم يشرئبون بأعناقهم نحو الضفة الشرقية لسيناء ويرون العلم الإسرائيلي مرفوعاً أمام أعينهم، وبما أن طبيعة الأرض في الجانب المحتل كانت أعلى من الجانب الغربي، فقد كان العلم يمثل استفزازاً يومياً مرئياً لكل الأطراف.
هذا المشهد خلق عقيدة صلبة وقراراً لا رجعة فيه: “يجب أن تعود سيناء ونبني جيشنا لندمر هذا الكبرياء”.
أما تحويل الهزيمة إلى طاقة، فقد بدأ مبكراً جداً ولم تمضِ أسابيع قليلة على النكسة حتى تجلت معركة “رأس العش” كإعجاز عسكري حقيقي؛ حيث نجح 30 مقاتلاً بأسلحتهم الخفيفة في التصدي لدبابات وسرية مشاة ميكانيكي إسرائيلي وحظر تقدمهم.
هذا الصمود الأسطوري في الأيام الأولى خلق حالة نفسية جديدة، وجعل الجميع يؤكدون العزم على كسر أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وتحولت الست سنوات إلى ملحمة صدق وتدريب وتجهيز للأسلحة لاستعادة الأرض كواجب مقدس.
* لو لخصنا “الدرس الأهم” من حرب أكتوبر لجيل الشباب الحالي الذي يواجه تحديات حروب الجيلين الرابع والخامس؛ فماذا يكون هذا الدرس؟
اللواء سمير فرج: الدرس الأهم والأبرز هو: عدم تصديق الشائعات والأخبار المغرضة.
في فترة ما قبل أكتوبر، انتشرت شائعات هائلة وأكاذيب ومعلومات مغلوطة ومحبطة بهدف ضرب الروح المعنوية، لدرجة أنهم أشاعوا أن اقتحام خط بارليف مستحيل ويتطلب قنبلة نووية لتدميره! ولكن بالإصرار والوعي والعلم، أثبت الجميع القدرة على اقتحام هذا الخط المنيع واستعادة سيناء.
اليوم، في حروب الجيل الرابع والخامس، أصبحت الشائعات والأخبار الكاذبة هي السلاح والعنصر الأساسي الذي تستخدمه القوى المعادية لتدمير المجتمعات من الداخل، والدرس الذي يجب أن يعيه الشباب هو التسلح بالوعي وفرز المعلومات وعدم الانسياق وراء السموم الرقمية.
* ختاماً سيادة اللواء.. دفعنا ثمناً غالياً لاسترداد سيناء، واليوم تشهد أرض الفيروز نهضة تنموية شاملة؛ كيف تقرؤون الأهمية الاستراتيجية لتنمية سيناء حالياً؟
اللواء سمير فرج: الأهمية الاستراتيجية لسيناء اليوم لخصتها رؤية القيادة السياسية؛ فالرئيس أكد بوضوح أنه لتأمين سيناء، لو جلبنا جيوش العالم كله لحراستها فلن تتأمن بالصورة المطلوبة دون “تنمية”.
التأمين الحقيقي لسيناء يكون بالتواجد البشري والتنمية المستدامة.
لذلك، ما يحدث اليوم هو ملحمة تنموية كبرى؛ نرى استصلاح ونمو نصف مليون فدان جديدة، وتأسيس أكبر ميناء حاويات على البحر المتوسط، وإنشاء ثلاث محطات إسمنت عملاقة، ومصنع “جفجافة” الضخم للرخام، بجانب بناء قرى متكاملة مخصصة لبدو سيناء وتجهيز المدارس والخدمات.
نحن لا نحمي سيناء بالسلاح فقط، بل نحميها بالبناء والتنمية وجعلها أرضاً جاذبة للحياة، فهذا هو خط الدفاع الأول والضمانة الحقيقية للأمن القومي المصري.





More Stories
مستقبلهم بعرقه”.. حكاية “عم صلاح” عامل البناء الذي حفر في الصخر ليرى بناته الثمانية طبيبات
ببوستر عالمي.. العزبي يكشف عن الهوية البصرية لـ”أوسكار الشرق الأوسط” من أرض الفراعنة
زيارة ميدانية لمتابعة سير العملية التعليمية بمدرسة شمس المعارف