31 أكتوبر، 2026

الشرق الأوسط نيوز

آخر الأخبار تعرفونها فقط وحصرياً على الشرق الأوسط نيوز موقع اخباري شامل يدور حول العالم

مستقبلهم بعرقه”.. حكاية “عم صلاح” عامل البناء الذي حفر في الصخر ليرى بناته الثمانية طبيبات

Oplus_131072

 

كتب ـ عماد إبراهيم

ليست كل الثروات تُقاس بالأرصدة البنكية، ولا تُلخص الأبراج الشاهقة في كونها إسمنتًا وحديدًا فحسب؛ ففي بعض الأحيان، يكون أثمن ما يبنيه الإنسان هو مستقبل أطفاله، على مدار خمسة وثلاثين عامًا، لم تكن طينَة الأسمنت وغبار الطوب هما الشغل الشاغل لـ “عم صلاح”، عامل البناء البسيط بمحافظة الفيوم، بل كان كل قالب طوب يرفعه، يمثل خطوة إضافية نحو حلم أزلي سكن قلبه: أن يرى بناته الثماني يحملن السماعات الطبية ويزينهن الرداء الأبيض.

بين قسوة الحقيقة وشرف الحلم

تحت أشعة الشمس الحارقة وبين آلام العضلات ومشقة العمل الشاق، قضى الأب أيامه صامتًا صابرًا، كان يعود إلى منزله كل يوم مع نهاية شمس النهار، وعلى وجهه إرهاق السنين، لكن في عينيه ومضة أمل لا تنطفئ. لم يكن يملك ترف المال ولا رفاهية الوظائف المريحة، لكنه امتلك شيئًا أثمن بكثير؛ إصرارًا حديديًا على ألا تقف ظروف ضيق الحال حائلًا بين بناته وبين قمم العلم.

في عالم يهرول خلف المظاهر، آمن “عم صلاح” بقناعة راسخة أن التعليم هو الكنز الوحيد الذي لا يفنى، والدرع الأقوى الذي يمكن أن يمنحه لبناته ليواجهن به قسوة الحياة، ومع كل قطرة عرق كانت تسقط على أرض ورشته، كان يكتب فصلًا جديدًا من ملحمة كفاح صامتة.

ثمار الصبر والتعب

طال الطريق وشست المسافات، لكن الخطوات الثابتة للمقاتل القديم لم تتوقف قط. وكما يثمر الزرع الطيب بعد طول انتظار، أشرق اليوم المنشود؛ اليوم الذي غادر فيه التعب وبقيت الفرحة غامرة تملأ البيت البسيط، تلو الأخرى، عبرت البنات عتبات كليات الطب، ليتحول الحلم البعيد إلى حقيقة ساطعة، وتتوج سنوات الشقاء بلقب “طبيبة” لكل واحدة منهن.

لم تكن قصة “عم صلاح” مجرد تفوق دراسي عابر لفتيات نجحن في تحصيلهن العلمي، بل تجسيدًا حيًا لمعنى الأبوة الحقيقية، إنها حكاية إنسان أثبت للجميع أن الشرف في الكسب، وأن الإرادة تصنع المعجزات، وأن أعظم إنجاز قد يتركه المرء في هذه الدنيا هو أن يرى ثمرة كفاحه وقد أصبحت سندًا للناس وبلسمًا لجراحهم.