24 فبراير، 2026

الشرق الأوسط نيوز

آخر الأخبار تعرفونها فقط وحصرياً على الشرق الأوسط نيوز موقع اخباري شامل يدور حول العالم

شهداء العمل المطرية دقهلية تدفع ثمن الإهمال

 

كتبت راندا ابو النجا

 

في يومٍ عادي من شهر فبراير 2026، خرج أبناء المطرية كعادتهم قبل شروق الشمس حقائب صغيرة، ووجوه أنهكها السعي، وقلوب معلّقة ببيوتٍ تنتظر عودتهم مع آخر النهار. لم يكونوا في رحلةٍ ولا نزهة كانوا في طريق الرزق.

على محور 30 يونيو جنوب بورسعيد، وقع التصادم. سيارة نقل ثقيل اصطدمت بسيارة ربع نقل تقل عمالًا من أبناء المطرية في طريقهم إلى مزارع الأسماك. وفي لحظةٍ خاطفة، تحوّل الطريق من مساحة أملٍ إلى قدرٍ دامٍ.

ثمانية عشر إنسانًا رحلوا. وثلاثة عادوا مصابين يحملون في أجسادهم وذاكرتهم ما لا يُنسى

شهداء لقمة العيش وقيمة الإنسان
لم يكونوا أرقامًا في بيانٍ رسمي، ولا مجرد حصيلة تُضاف إلى سجل الحوادث. كانوا آباءً يعيلون أسرًا، وأبناءً يسندون أمهات، وأحلامًا بسيطة لا تتجاوز سقف بيتٍ آمن وقوت يومٍ شريف

خرجوا يسعون، فعادوا محمولين. والمطرية المدينة التي اعتادت أن تُصدّر أبناءها إلى العمل في كل مكان استقبلتهم هذه المرة في نعوش

الألم لا يكمن فقط في الفقد بل في السؤال الذي يطرق الأبواب بقسوة هل كان يمكن أن يعودوا أحياء لو كانت معايير الأمان أكثر صرامة لو كانت الرقابة أشد لو كانت وسائل نقل العمال أكثر إنسانية

جنازات تكسر القلوب
لم تكن جنازات عادية. كانت المدينة كلها تمشي خلف أبنائها. أمهات يلطمن الصمت قبل الخدود، أطفال لا يفهمون لماذا تغيّر كل شيء فجأة، ورجال يحاولون التماسك لأن البيوت المنكسرة تحتاج إلى من يبقى واقفًا.

في تلك اللحظات، لم تكن المطرية تبكي أبناءها فقط، بل كانت تبكي شعورًا متكررًا بالعجز وكأن الحزن صار ضيفًا موسميًا يعرف الطريق جيدًا.

أسئلة لا يجب أن تُدفن مع الضحايا
هذه ليست مأساة عابرة. وليست قدرًا غامضًا لا يُسأل عنه. كم من الأرواح يجب أن نفقد حتى نعيد النظر في منظومة نقل العمال؟ كم من بيتٍ يجب أن يُهدَم حتى ندرك أن الطريق ليس مجرد أسفلت، بل مسؤولية وكم من مرة سنكتفي بعبارة حادث أليم دون أن نبحث عن جذور الألم

الحفاظ على الأرواح ليس رفاهية بل واجب دستوري وأخلاقي. حياة العامل لا تقل قيمة عن حياة أي مسؤول، ومن يخرج ليبني اقتصاد هذا الوطن، يستحق أن يعود سالمًا.

أين نحن من الوقاية
المشكلة ليست في الحزن بل في اعتياد الحزن. أن نحزن يومين ثم نطوي الصفحة، وننتظر المأساة التالية هذا هو الخطر الحقيقي

الوقاية ليست شعارًا، بل سياسات واضحة، ورقابة صارمة، وتطبيق قانون لا يفرّق بين كبيرٍ وصغير.

حين تكون وسائل نقل العمال غير آمنة، فهذه مسؤولية. وحين تتكرر الحوادث في طرق بعينها، فهذه إشارة إنذار. وحين يصبح الفقير أكثر عرضة للموت في طريق رزقه، فهذه قضية عدالة قبل أن تكون قضية مرور.

الكلمة لإنسانيتنا
حين تتشابه النعوش، وتتبدل الأسماء ويبقى المشهد ذاته يصبح الصمت شكلًا من أشكال التواطؤ. الكلمة هنا ليست ترفًا، ولا بحثًا عن تعاطف. الكلمة موقف

نكتب لأن ثمانية عشر بيتًا في المطرية أُطفئت أنوارها دفعة واحدة. نكتب لأن أطفالًا سيكبرون وهم يسألون لماذا لم يعد أبي نكتب لأن العامل الذي خرج يسعى، لم يكن يعلم أن الطريق سيبتلعه.

لا نكتب لنؤجّج الغضب، بل لنحمي الوعي. ولا نكتب لنهدم، بل لنطالب بإصلاحٍ يليق بحياة الناس

أخطر ما يمكن أن يحدث لنا ليس كثرة الحوادث بل أن نعتادها. أن يتحول الدم إلى خبر، والخبر إلى أرشيف والأرشيف إلى نسيان

أرواح أبناء المطرية ليست رقمًا. هي أمانة. إما أن يتحول هذا الحزن إلى قرارٍ يمنع تكراره، وإما أن نظل نودّع أبناءنا على الطرق ذاتها، بالدموع ذاتها، والأسئلة ذاتها. وذلك ما لا يجب أن نقبل به بعد اليوم.

نداء من المطرية
باسم المطرية باسم الأمهات اللاتي فقدن أبناءهن، وباسم الأطفال الذين ناموا على وعدٍ لم يتحقق، نوجّه هذا النداء إلى دولة رئيس مجلس الوزراء، وإلى كل جهةٍ مسؤولة عن هذا الطريق وعن أرواح الناس.

لسنا أمام حادثٍ عابر يمكن تجاوزه ببيان عزاء. نحن أمام جرس إنذارٍ مدوٍّ. نطالب بتحقيقٍ شفاف يُعلن للرأي العام، وبمراجعة شاملة لمنظومة نقل العمال وبتشديد الرقابة على الطرق التي تحوّلت إلى مصائد موت وبخطة واضحة تمنع تكرار هذه الفاجعة.

نطالب برعاية حقيقية لأسر الضحايا لا من باب التعاطف بل من باب الحق.

المطرية لا تريد كلمات، ولا وعودًا مؤجلة، المطرية تريد قرارًا يحمي أبناءها. فالطرق التي بُنيت لتسهيل الحياة، لا يجب أن تتحول إلى نهايتها.

هذه الأرواح أمانة في أعناقكم، والتاريخ لا ينسى من استجاب للنداء ولا من تجاهله.

فإن لم يتحرك القرار اليوم فقد يتحرك غدًا على وقع مأساةٍ جديدة