Notice: Function _load_textdomain_just_in_time was called incorrectly. Translation loading for the change-wp-admin-login domain was triggered too early. This is usually an indicator for some code in the plugin or theme running too early. Translations should be loaded at the init action or later. Please see Debugging in WordPress for more information. (This message was added in version 6.7.0.) in /home/elsharkelawst/public_html/wp-includes/functions.php on line 6260
السلام يبدأ من الإنسان قبل أن يبدأ بين الدول * الشرق الأوسط نيوز
14 سبتمبر، 2026

الشرق الأوسط نيوز

آخر الأخبار تعرفونها فقط وحصرياً على الشرق الأوسط نيوز موقع اخباري شامل يدور حول العالم

السلام يبدأ من الإنسان قبل أن يبدأ بين الدول

بقلم: الدكتورة راندا أبو النجا

إعلامية وكاتبة
سلسلة: قضايا المجتمع

حين تصبح كرامة الإنسان لغةً للحياة
هناك سلامٌ يُكتب في المعاهدات وسلامٌ آخر يجب أن يُكتب في القلوب

فالسلام الحقيقي لا يبدأ من قاعة مفاوضات ولا ينتهي بتوقيع اتفاقية بل يبدأ من الإنسان نفسه من طريقته في الحديث وإختلافه وحكمه على الآخرين، وقدرته على أن يمنح من حوله حقهم في الكرامة والاحترام حتى عندما لا يتفق معهم

حقوق الإنسان ليست إمتيازًا يمنحه القوي للضعيف ولا كلمات تُرفع في المناسبات وإنما هي إعتراف بسيط وعميق بأن الإنسان له قيمة لأنه إنسان

أن تحفظ كرامة شخص إختلف معك فهذا حق من حقوق الإنسان
أن تسمع رأيًا لا يشبه رأيك دون إهانة صاحبه، فهذا سلام
أن ترفض الخطأ دون أن تهين الإنسان فهذا وعي
وأن تمتلك القوة ثم تختار الرحمة والعدل فهذه أخلاق تصنع مجتمعًا أكثر أمنًا

المشكلة أن البعض يتحدث عن السلام بينما يمارس العنف بالكلمة ويتحدث عن الحقوق بينما يسلب الآخرين حقهم في الاختلاف، ويرفع شعار الإنسانية ثم يقيس قيمة الإنسان بمصلحته أو منصبه أو انتمائه

وهنا تبدأ المسافة بين ما نقوله وما نعيشه.

فالسلام ليس أن تختفي الخلافات فالإختلاف جزء من طبيعة البشر
السلام الحقيقي هو أن نتعلم كيف نختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى كراهية وكيف ننتقد دون تجريح وكيف نطالب بحقوقنا دون أن ننكر حقوق غيرنا
وحقوق الإنسان لا تبدأ فقط عندما تقع الكوارث

إنها تبدأ في البيت حين يسمع الأب إبنه
وفي المدرسة حين يُعامل الطالب بكرامة
وفي العم حين لا يُظلم الإنسان بسبب ضعفه
وفي الشارع حين نحترم الكبير ونرحم الضعيف
وفي المجتمع حين لا يصبح الفقر أو الإختلاف أو الخطأ سببًا لإسقاط إنسانية صاحبه

فأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى من ينقذه من العالم بقدر ما يحتاج إلى ألا يكون العالم نفسه سببًا في كسره

وقد علّمنا القرآن قيمة الإنسان وكرامته في قوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
[الإسراء: 70]

وهذه الآية تضع أمامنا معنى بالغ العمق التكريم هنا للإنسان بوصفه إنسانًا

لذلك فإن الدفاع عن حقوق الإنسان ليس معركة ضد أحد بل مسؤولية أخلاقية تجاه الجميع

لا يمكن أن نبني مجتمعًا آمنًا بالخوف ولا مجتمعًا متماسكًا بالإقصاء ولا سلامًا حقيقيًا بينما يشعر بعض أفراده أنهم أقل قيمة من غيرهم

الإنسان الذي يشعر أن كرامته مصونة يكون أقرب إلى السلام
والمجتمع الذي يحترم حقوق أفراده يكون أقرب إلى الإستقرار
والدولة التي تجعل العدل والكرامة أساسًا تزرع في مواطنيها الانتماء لا الخوف
ولعل أخطر ما يهدد السلام ليس دائمًا صوت الرصاص
فأحيانًا تكون الكلمة الجارحة رصاصة ويكون الظلم جرحًا صامتًا، ويكون التجاهل شكلًا من أشكال القسوة.

لهذا نحن بحاجة إلى أن نعيد تعريف السلام في حياتنا اليومية

السلام أن تمنح الآخر مساحة ليكون مختلفًا
والسلام أن تستخدم قوتك لحماية من لا يملك القوة
والسلام أن يكون القانون طريقًا إلى العدل لا وسيلة للإنتقام
والسلام أن نتذكر دائمًا أن خلف كل قضية إنسانًا وخلف كل رقم حكاية وخلف كل حق قلبًا ينتظر الإنصاف

همسة النفس

ليس كل من يحمل راية السلام قد عرف معناه وليس كل من تحدث عن الحقوق قد مارسها

الإختبار الحقيقي للإنسانية يبدأ عندما تستطيع أن تؤذي ثم تختار ألا تفعل

رسالة المقال

لا تجعل السلام شعارًا نردده بل سلوكًا نعيشه
ولا تجعل حقوق الإنسان قضية نتحدث عنها بل قيمة نمارسها مع أقرب الناس إلينا قبل أبعدهم

فالعالم لن يصبح أكثر سلامًا بمجرد أن نطالب الآخرين بالسلام
بل عندما يبدأ كل إنسان بإصلاح المساحة الصغيرة التي تقع تحت مسؤوليته نفسه، وبيته وكلمته وموقفه

بصمة السلسلة

النفس هي منبع الفكر والفكر يصنع السلوك، والسلوك يصنع المجتمع

وحين تتعلم النفس احترام الإنسان يصبح السلام أكثر من مجرد كلمة
يصبح أسلوب حياة.