كتبت ـ فاطمة الزهراء الغازي

تشكل المناسبات الوطنية في تاريخ الدول أكثر من مجرد محطات للاحتفاء بذكرى حدثٍ تاريخي؛ فهي لحظات للتأمل في مسارات البناء، واستحضار حصيلة الإنجاز، واستشراف آفاق المستقبل. ويكتسي عيد العرش المجيد في المملكة المغربية مكانةً دستورية ووطنية خاصة، باعتباره مناسبةً تجسد استمرارية الدولة المغربية ووحدة مؤسساتها، وتعبر عن عمق العلاقة التاريخية التي ربطت العرش العلوي المجيد بالشعب المغربي، في إطار البيعة الشرعية التي ظلت، على امتداد التاريخ، إحدى الدعائم المؤسسة للاستقرار السياسي ووحدة الوطن وتماسكه.
ويأتي الاحتفاء بعيد العرش هذه السنة في سياق استحضار ربع قرن من العهد الزاهر لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، وهي مرحلة مثلت منعطفًا مهمًا في مسار الدولة المغربية الحديثة، حيث شهدت المملكة إصلاحات هيكلية وأوراشًا استراتيجية مست مختلف القطاعات، انطلاقًا من تحديث المؤسسات الدستورية، وتعزيز البنيات التحتية، وتطوير الاقتصاد الوطني، وترسيخ أسس الدولة الاجتماعية، وصولًا إلى توطيد مكانة المغرب فاعلًا مسؤولًا في محيطه الإقليمي والقاري والدولي.
لقد ارتكزت الرؤية الملكية، منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين في 30 يوليوز 1999، على مقاربة تنموية شاملة قوامها التلازم بين الإصلاح المؤسساتي، والتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والاستثمار في الرأسمال البشري، مع الحفاظ على الثوابت الدستورية والهوية الحضارية للمملكة. ولم تكن هذه المقاربة مجرد استجابة لرهانات آنية، بل جاءت تعبيرًا عن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، هدفت إلى بناء دولة حديثة تستمد قوتها من رسوخ مؤسساتها، وتنافسية اقتصادها، وكفاءة مواردها البشرية، وقدرتها على التفاعل الإيجابي مع التحولات الإقليمية والدولية.
وقد انعكست هذه الرؤية في سلسلة من المبادرات والإصلاحات التي أسهمت في إعادة تشكيل المشهد التنموي المغربي، من خلال إطلاق مشاريع هيكلية كبرى، وتعزيز جاذبية المملكة للاستثمار، وتطوير البنية اللوجستية والصناعية، وترسيخ الاختيارات المرتبطة بالانتقال الطاقي والأمن المائي، إلى جانب توسيع نطاق الحماية الاجتماعية، والارتقاء بمنظومة التعليم والتكوين، ودعم البحث العلمي والابتكار، وتمكين المرأة والشباب، وإيلاء الثقافة والرياضة مكانة متقدمة ضمن المشروع المجتمعي الذي يقوده جلالة الملك.
وعلى الصعيد الخارجي، واصل المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، انتهاج دبلوماسية فاعلة تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز التعاون جنوب–جنوب، وتوطيد حضوره داخل القارة الإفريقية، والانخراط المسؤول في معالجة القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك، بما عزز صورة المملكة باعتبارها شريكًا موثوقًا وفاعلًا ملتزمًا بمبادئ السلم، والتنمية، والتعاون الدولي
المبحث الأول: المشروع الملكي لبناء الدولة المغربية الحديثة وترسيخ أسس التنمية الشاملة
لم يكن التحول الذي شهدته المملكة المغربية خلال ربع القرن الأخير وليد إصلاحات متفرقة أو استجابات ظرفية لرهانات آنية، بل جاء ثمرة مشروع ملكي متكامل، استند إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، جعلت من بناء الدولة الحديثة خيارًا ثابتًا، ومن التنمية الشاملة أداةً لترسيخ السيادة الوطنية وتعزيز كرامة المواطن والارتقاء بمكانة المملكة بين الأمم. وقد انطلقت هذه الرؤية من إدراك عميق لخصوصية الدولة المغربية، بما تحمله من امتداد حضاري عريق، ومؤسسات راسخة، وثوابت وطنية شكلت عبر التاريخ أساس وحدتها واستقرارها.
وفي ظل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، انخرط المغرب في مسار إصلاحي متدرج، جمع بين الطموح والواقعية، وبين المحافظة على الثوابت الوطنية والانفتاح على متطلبات العصر. ولم يكن الهدف من هذا المسار تحقيق معدلات نمو اقتصادي فحسب، بل بناء نموذج تنموي متكامل، يقوم على تحديث المؤسسات، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، والاستثمار في الرأسمال البشري، وترسيخ العدالة المجالية، بما يجعل التنمية مشروعًا حضاريًا يخدم الإنسان ويعزز مكانة الدولة.
ومن هذا المنطلق، تبرز المنجزات التي تحققت خلال العهد الزاهر لجلالة الملك باعتبارها حلقات مترابطة ضمن رؤية استراتيجية واحدة، قوامها جعل المغرب دولةً أكثر قدرة على مواجهة التحولات الدولية، وأكثر جاهزية لاستثمار الفرص التنموية، وأكثر حضورًا في محيطه الإقليمي والقاري والدولي. ولذلك، فإن قراءة هذه المنجزات لا تستقيم من خلال تناولها بوصفها مشاريع قطاعية منفصلة، وإنما باعتبارها مكونات لمشروع وطني شامل، أعاد رسم ملامح الدولة المغربية الحديثة، ورسخ أسس نهضتها الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والحضارية.
الفقرة الأولى: التحديث الاقتصادي والبنية التحتية… دعائم الرؤية الملكية لمغرب تنافسي
يعد الاقتصاد أحد أهم المرتكزات التي قامت عليها الرؤية الإصلاحية لجلالة الملك محمد السادس، انطلاقًا من الإيمان بأن الاستقلال السياسي يكتمل بتعزيز السيادة الاقتصادية، وأن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال اقتصاد قوي، متنوع، ومنفتح، قادر على الاندماج في الاقتصاد العالمي مع الحفاظ على المصالح الاستراتيجية للمملكة. ومنذ السنوات الأولى للعهد الزاهر، تبنى المغرب سياسة استثمارية طموحة ارتكزت على تطوير البنية التحتية، وتحفيز الاستثمار، وتحديث المنظومة الصناعية، بما مكن المملكة من تحقيق تحول نوعي في بنيتها الاقتصادية.
وفي هذا السياق، شهدت المملكة إنجاز مشاريع هيكلية كبرى شكلت علامات فارقة في مسار التنمية الوطنية، وفي مقدمتها تطوير شبكة الطرق السيارة، وتحديث شبكة السكك الحديدية، وإنجاز أول خط للقطار فائق السرعة في القارة الإفريقية، إلى جانب توسيع المطارات وتحديثها، وإنجاز موانئ استراتيجية، يتقدمها ميناء طنجة المتوسط، الذي أضحى أحد أبرز المراكز اللوجستية في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا.





More Stories
ما بين الغرور وعزة النفس مسافة لا يراها الجميع
رساله الي الرئيس الشعب يرفض توطين اللاجئين
بيان إلى العالم:لن نصمت على ما رأيناه.