ليست المرة الأولى التي تهتز فيها الأرض تحت أقدامنا، وليست المرة الأولى التي نقف فيها نحن البشر عاجزين أمام قوة لا نملك لها دفعاً ولا رداً.
هزة الثالث من أغسطس في خليج السويس، بقوة 5.6 درجات. رقم لا يثير الذعر في طوكيو ولا في سانتياغو، لكنه في القاهرة والإسكندرية أعاد فتح ملف أقدم من علم الجيولوجيا: إلى أي مدى نحن مستعدون حين تتحرك الأرض؟
أولاً: الجغرافيا لا تجامل.. والقدر لا يستأذن مصر محظوظة وغير محظوظة في آن واحد. محظوظة لأنها خارج “حزام النار” العالمي، وغير محظوظة لأنها جالسة على مفترق ثلاث صفائح كبرى: الإفريقية، والعربية، والأناضولية.
Oplus_131072
خليج السويس ليس ممراً ملاحياً فحسب، هو صدع جيولوجي مفتوح، جرح في القشرة الأرضية لم يلتئم بعد. والبحر الأحمر شاهد على أن قارتي إفريقيا وآسيا لا تزالان تتباعدان ببطء.
لذلك عندما تتنفس الأرض في السويس يصل الصدى إلى العاصمة، ليس لقوة الهزة، ولكن لقرب الذاكرة. فذاكرة الثاني عشر من أكتوبر عام 1992 لا تزال نازفة. 5.8 درجات فقط، في اليابان تمر مرور الكرام، عندنا أسقطت 561 قتيلاً، وشردت نصف مليون.
لماذا؟ لأن الخطر الحقي لم يأت من باطن الأرض، أتى من فوقها. من عورات العمران: طوب لَبِن، وأدوار مخالفة، وأساسات بلا ضمير.
وبعد أربعة وثلاثين عاماً نسأل: هل غيرنا شيئاً؟ أم أننا عدنا إلى النسيان انتظاراً للهزة القادمة؟
ثانياً: عجز العلم.. وحضور الإيمان سألت كبار علماء الزلازل والجيولوجيين في العالم سؤالاً واحداً: هل يمكنكم التنبؤ؟ فجاء الرد بلا تردد: لا نعلم. نحن نستطيع أن نرصد، ونقيس، ونحلل الموجات، لكن لا أحد يملك أن يقول: “سيحدث غداً في الساعة كذا”.
وهنا بالضبط يبدأ كلام آخر. فإذا كان العلم عاجزاً عن تحديد “متى”، فإن الإيمان يجيب عن “لماذا”. الزلزال ليس صدفة جيولوجية بلا معنى، هو “آية”. والآية في اللغة هي العلامة، علامة توقظ الغافل.
القرآن وصفها: “وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا”.
وفي هذه الآية ثلاث حكم كبرى:
الأولى: تذكير بالحجم. بنينا ناطحات سحاب، وأطلقنا أقماراً، واخترعنا الذكاء الاصطناعي، ثم تأتي خمس عشرة ثانية فتمسح كل ذلك. الرسالة: اعرف حجمك، أنت ضيف على هذا الكوكب.
الثانية: اختبار للمجتمع. وقت الزلزال لا يظهر العالم ولا السياسي، يظهر الإنسان. هل نساعد جارنا؟ هل ننشر الطمأنينة أم الفزع؟ هل نتصدق أم نكنز؟ الكارثة تكشف معادن الأمم كما تكشف معادن الأفراد.
الثالثة: دعوة للمراجعة. ليس كل ضحية “مذنباً” حاشا لله. في الضحايا أطفال وشهداء، لكن على مستوى الدولة والأمة، الزلازل تأتي بعد أن “تُعلن المنكرات”. هي جرس إنذار، ليس للانتقام، بل للإيقاظ. “الله لا يبتليك ليعذبك، الله يبتليك ليقربك”.
ثالثاً: مصر بين الصدع والضمير جغرافياً، نحن لسنا في قلب الخطر، لكننا على أطرافه. خليج السويس والبحر الأحمر صدع مفتوح. وزلزال عام 1992 علمنا درساً لم نتعلمه كاملاً: المشكلة لم تكن في 5.8 درجات، المشكلة كانت في الأسمنت المغشوش، وفي المباني المخالفة.
فأي إيمان هذا الذي نطلبه من السماء، ونحن لا نحترم “سنن العمران” على الأرض؟ الإيمان الحق هو أن نأخذ بالأسباب أولاً: أن نبني بيتاً لا يقتل أهله، أن نضع خطة إخلاء، أن نعلم ابننا: “انزل تحت المائدة”. هذا هو “اعقلها وتوكل” الذي أمرنا به الدين.
كلمة أخيرة: الزلزال رسالة الأرض التي لا تكذب الأرض لا تتكلم لغتنا، لكنها ترسل إشارات. أحياناً بهزة خفيفة، وأحياناً بدمار كبير.
الزلزال لن يكون نهاية العالم، لكن تجاهل دروسه قد يكون بداية الكارثة.
نحن لا نملك أن نوقف حركة الصفائح، هذه سنة كونية. لكننا نملك أمرين: أن نبني بيوتاً لا تقتل ساكنيها، وأن نربي أجيالاً لا يصيبها الهلع.
نحتاج إلى يقظة مزدوجة: يقظة علمية: كود بناء، وتدريب، وإنذار مبكر. ويقظة إيمانية: عودة إلى الله، وصدقة تدفع البلاء، ودعاء: “اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك”.
فالسؤال ليس: متى تهتز الأرض مرة أخرى؟ السؤال هو: هل سنكون وقتها أمة مستعدة، أم أمة متفاجئة؟
الأرض ستتحرك، هذا قدرها. والزلزال لا يهدم البيوت فقط. الزلزال يهدم الغفلة.
More Stories
أحمد العزبي: “إيجي فاشون” سفيراً للموضة المصرية في عواصم العالم
ماسبيرو ليس مجرد مبنى من الطوب. هو ذاكرة أمة وهوية
حريق سفينتي الغاز بميناء دمياط.. كيف أنقذت “خطط الطوارئ” شريان الطاقة المصري؟