بقلم / راندا ابو النجا
في هذا العالم المزدحم بالوجوه والإبتسامات والكلمات المنمقة، أصبح من الصعب أحيانًا أن تفرق بين الحقيقة والتمثيل، بين المشاعر الصادقة والمشاعر المصنوعة بعناية لتناسب المواقف والمصالح.
صرنا نعيش في زمنٍ لا يُطلب فيه من الإنسان أن يكون حقيًا، بل أن يكون مقبولًا حتى لو اضطر لإخفاء نفسه الحقيقية خلف عشرات الأقنعة
أصبح الناس يخشون الصدق، ليس لأنه خطأ، بل لأن الحقيقة باتت مكلفة
فالإنسان الصادق قد يخسر علاقات، ويُساء فهمه، ويُتهم بالقسوة فقط لأنه قال ما يشعر به دون تزييف.
أما من يجيد التمثيل، فيحصل غالبًا على التصفيق والقبول الاجتماعي، حتى وإن كانت كلماته بلا روح ومشاعره بلا صدق.
لقد تحول التمثيل اليومي إلى مهارة اجتماعية يتقنها الكثيرون؛
فنرى من يدّعي الحب وهو لا يعرف معنى الوفاء،
ومن يتحدث عن الإنسانية وهو أول من يخذل وقت الشدة،
ومن يرفع شعارات الأخلاق بينما يمارس عكسها في الخفاء.
والأكثر ألمًا أن البعض لم يعد يمثل على الناس فقط، بل أصبح يمثل على نفسه أيضًا، حتى فقد القدرة على معرفة حقيقته الأصلية.
السوشيال ميديا زادت الأمر تعقيدًا، فالجميع أصبح يسابق الجميع نحو صورة مثالية لا وجود لها.
حياة بلا مشاكل، ضحكات دائمة، نجاح مستمر، وعلاقات تبدو كاملة من الخارج بينما تخفي خلف الشاشات تعبًا وانكسارات لا يراها أحد.
وهكذا بدأ الإنسان يشعر أن الصدق ضعف، وأن إظهار الألم هزيمة، وأن عليه دائمًا أن يبدو بخير حتى وإن كان ينهار بصمت.
لكن الحقيقة التي لا يريد الكثير الإعتراف بها
أن الإنسان لا يُرهقه الصدق بقدر ما يُرهقه التمثيل المستمر.
فالقناع قد يحميك لبعض الوقت، لكنه يسلبك راحتك تدريجيًا.
والشخص الذي يعتاد التزييف يعيش عمره خائفًا من لحظة انكشافه، بينما الإنسان الصادق ينام مرتاح الضمير حتى وإن خسر الجميع
ولأن العالم أصبح سريع الأحكام، صار كثيرون يخفون حقيقتهم خوفًا من السخرية أو الرفض أو الخذلان.
فأصبح الحزين يبتسم، والمكسور يدّعي القوة، والمظلوم يصمت، والوحيد يتظاهر بأنه لا يحتاج أحدًا.
ومع الوقت٠ تحولت العلاقات الإنسانية إلى مسرح كبير، يتبادل فيه البعض الأدوار أكثر مما يتبادلون المشاعر الحقيقية.
لكن رغم كل هذا الزيف، يبقى للصدق بريق لا يمكن تقليده.
فالقلوب تشعر بالحقيقة حتى وإن حاولت الأقنعة إخفاءها، والكلمة الصادقة تصل دائمًا دون مبالغة، لأنها تخرج من القلب مباشرة.
إن أخطر ما قد يحدث للإنسان ليس أن يخدعه الآخرون بل أن يعتاد هو نفسه التمثيل حتى ينسى ملامحه الحقيقية.
فالصدق ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل شجاعة نادرة في زمن امتلأ بالخداع.
والإنسان الحقيقي قد يكون أقل ضجيجًا، لكنه الأكثر سلامًا وصدقًا وتأثيرًا.
قد ينجح الزيف أحيانًا في خطف الأنظار،
وقد يربح أصحاب الأقنعة جولات كثيرة،
لكن الحقيقة وحدها هي التي تبقى عندما يسقط كل شيء.
لأن الإنسان يستطيع أن يخدع العالم لبعض الوقت
لكنه لا يستطيع أن يخدع نفسه إلى الأبد.





المزيد من القصص
حين تصبح “الانتدابات” عقوبة غير معلنة داخل بعض الإدارات الصحية
قمة “عروس المتوسط”: السيسي وماكرون يفتتحان عهدًا جديدًا للتعاون الفرنكوفوني بالإسكندرية
إسلام آباد.. طاولة السلام فوق برميل بارود