إعداد: كمال الخولي
في الوقت الذي يتسارع فيه العالم نحو المستقبل، يعيش كثير من الشباب حالة جماعية من الحنين إلى الماضي، تُعرف بـ”النوستالجيا”. ظاهرة تتكرر في الحديث اليومي، منصات التواصل، الأغنيات، وحتى في الإعلانات التي تعتمد عمداً على صور وروائح وأصوات من العقود الماضية.
لكن… لماذا يعود الناس إلى الوراء وهم يعيشون في عصر التكنولوجيا والرفاهية الرقمية؟
موجة حنين… أم هروب من الواقع؟
مع انتشار الهواتف الذكية ومواقع التواصل، كان المتوقع أن تزيد تعلق الأجيال بالحاضر، لكن الواقع جاء معاكساً. في دراسة حديثة، كشف 67٪ من الشباب أن تفاصيل طفولتهم تمنحهم “راحة نفسية أكبر” من تفاصيل حياتهم الحالية.
تقول خلود (40 عاماً):
“أول ما اسمع أغنية من التسعينات أحس إن الدنيا رجعت بسيطة… ولا مشاكل ولا ضغط. الزمن ده مش مجرد ماضي، ده مكان بتهرب له.”
ويرى خبراء علم النفس أن الارتباط بالماضي يزداد عادة في الفترات التي تشهد تغيرات اجتماعية واقتصادية سريعة، وهو ما يفسر زيادة النوستالجيا في السنوات الأخيرة.
خبير نفسي: الماضي ليس أجمل… لكنه أكثر ثباتاً
“النوستالجيا ليست دليلاً على أن الماضي كان مثالياً، بل لأنه كان مفهوماً. الإنسان يخاف من المجهول… والماضي هو الشيء الوحيد الذي نعرفه جيداً.”
ويوضح أن النوستالجيا تعمل كآلية دفاعية:
تُخفف القلق.
تمنح شعوراً بالأمان.
تعيد الإنسان لنسخة أكثر بساطة من نفسه.
العودة إلى الطقوس القديمة
من اللافت انتشار ظاهرة “استعادة الطقوس القديمة”:
تصوير بالكاميرات الفيلمية.
سماع شرائط الكاسيت.
جمع ألعاب طفولة قديمة.
متابعة مسلسلات التسعينات.
ويشير الباحثون إلى أن هذه السلوكيات ليست مجرد ترف، بل محاولة لاستعادة إحساس لم يعد موجوداً في الحياة الرقمية ذات الإيقاع السريع.
التكنولوجيا… المحرّك الأكبر للنوستالجيا
المفارقة أن التكنولوجيا نفسها أصبحت سبباً في اشتعال النوستالجيا.
فعندما يشعر الفرد بأنه مُراقَب، مُقارن، مُستهلك عبر السوشيال ميديا، تبدأ الذاكرة في البحث عن فترة كانت فيها العلاقات أكثر صدقاً والهواء أقل ازدحاماً.
تقول نهى، 29عاماً:
“زمان كنا بنستنى بعض، نتجمع، نستمتع. دلوقتي إحنا موجودين طول الوقت… بس مش مع بعض.”
خبراء اجتماع: الحنين يعكس أزمة ثقة في الحاضر
يؤكد متخصصون في علم الاجتماع أن النوستالجيا تمثل أيضاً رفضاً غير مباشر لوتيرة الحياة الحالية.
الحاضر مُرهِق، المستقبل غامض… لذلك يصبح الماضي هو “المنطقة الآمنة”.
ويشير تقرير بحثي إلى أن:
ارتفاع الأسعار،
تغير العلاقات،
الضغوط النفسية،
والازدحام المعلوماتي…
كلها أسباب تدفع الناس للهروب إلى ذكرياتٍ أقل صخباً.
هل النوستالجيا ظاهرة إيجابية أم سلبية؟
الخبراء يختلفون:
إيجابية عندما تمنح استقراراً نفسياً،تساعد على فهم الجذور،
تذكّر بالقيم والعلاقات الأصيلة.
وسلبية عندماتتحول لرفض كامل للحاضر.،أو عجز عن التكيف مع الواقع،أو مثالية زائفة للماضي.
“الماضي جميل… لكن بشرط ألا يصبح سجناً.”
في النهاية… الماضي لا يعود، لكن أثره لا يرحل
رغم كل التفسيرات، تبقى النوستالجيا جزءاً أصيلاً من الهوية الإنسانية.
فهي ليست مجرد صور قديمة أو أغنيات عابرة، بل مساحة داخلية يعود إليها الإنسان ليجد نفسه، وليتذكر أنه كان يوماً أكثر بساطة… وأكثر صدقاً.
الحنين لن ينتهي لكنه يمكن أن يصبح دافعاً لعيش الحاضر بشكل أفضل.





المزيد من القصص
الإدمان الإلكتروني… قنبلة صامتة تهدد جيلًا كاملًا
بسبب سوء الاحوال الجويه سقوط شجرة وأعمدة كهرباء متضررة.. طريق جمصة الدولي خارج الخدمة مؤقتًا
الجهاز الهضمى مش مجرد دخول طعام وخروج فضلات فقط دة جهاز ذكى جدا