كتبت راندا ابو النجا
لا يأتي العام الجديد محمّلًا بالمعجزات، ولا يطرق الأبواب حاملًا العدالة على طبق من ذهب، لكنه يمنحنا فرصة نادرة: أن نعيد طرح الأسئلة التي تهرّبنا منها طويلًا، وأن نواجه ما اعتدنا التعايش معه رغم قسوته.
نودّع عامًا لم يكن سهلًا.
عامًا ازدحمت أيامه بالخسارات، لا على مستوى الأفراد فقط، بل على مستوى الضمير الجمعي. رأينا أطفالًا يدفعون ثمن إهمال لم يرتكبوه، ونساءً يحملن أوجاعًا مضاعفة في مجتمعات تُتقن الصمت أكثر مما تُتقن الحماية، وعدالة تتأخر حتى يفقد الانتظار معناه.
في كل نهاية عام، نُجيد كتابة الأمنيات، لكن قليلًا ما نُجيد مراجعة المواقف.
هل تغيّر شيء لأننا تمنّينا؟
أم لأننا قررنا أن نرفع الصوت حيث كان الصمت مريحًا؟
العام الجديد لا يحتاج مزيدًا من الكلمات المنمّقة، بل يحتاج شجاعة في تسمية الأشياء بأسمائها. يحتاج إعلامًا لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يُحمّلها مسؤوليتها الأخلاقية. يحتاج قلمًا لا يخشى الاقتراب من مناطق الألم، لأن الكتابة التي لا تُزعج، نادرًا ما تُغيّر.
نحن لا نطلب عامًا بلا أزمات، فهذا وهم.
لكننا نطلب عامًا أقل قسوة على الضعفاء، أقل تساهلًا مع الظلم، أكثر احترامًا لحق الإنسان في الأمان والكرامة. نطلب أن يكون الطفل آخر من يدفع الثمن، لا أول الضحايا. وأن تتحوّل القضايا الإنسانية من أخبار عابرة إلى ملفات لا تُغلق إلا بالإنصاف.
في هذا العام الجديد، ربما لا نملك تغيير النظام دفعة واحدة، لكننا نملك ما هو أخطر:
أن نرفع مستوى الاتهام.أن نُذكّر، نُوثّق، ونُصرّ على أن الوجع العام ليس شأنًا خاصًا.
ليكن هذا العام مساحة أوسع للحقيقة، حتى لو كانت موجعة.
ولْنكتب لا لأننا نبحث عن تصفيق، بل لأن هناك من ينتظر أن يُنقذهم الضوء، ولو متأخرًا.
في العام الجديد، لا نطلب المستحيل، بل نطلب الحد الأدنى من الإنسانية:
أن تُحاسَب المسؤولية، وأن تُسمَع الأصوات المكسورة قبل أن تتحوّل إلى صراخٍ بلا صدى، وأن يكون القانون مظلة للضعفاء لا جدارًا يحتمي خلفه المخطئون.
هذا العام لن نكتب لنُجامل،
سنكتب لنُذكّر…
ولن ننسى أن الكلمة، حين تُقال في وقتها، قد تكون آخر خط دفاع عن إنسانٍ لم يجد من يدافع عنه.





المزيد من القصص
الجيل الجديد… عقلية مختلفة تصنع مستقبلًا مختلفًا
خلاصة القول فى علاج جرثومة المعدة
لماذا يشعر مريض الكلى بالقلق والتوتر المستمرالأمر ليس مجرد شعور نفسي