بقلم: كمال الخولي
في زمن أصبحت فيه الهواتف الذكية امتدادًا لأيدينا، يظهر خطر جديد يتسلل بهدوء ودون ضجيج: الإدمان الإلكتروني. ليس مجرد استخدام زائد، بل حالة من الارتباط المرضي التي تغيّر السلوك، وتقلّل الإنتاجية، وتفكّك العلاقات الأسرية والاجتماعية.
هذا التحقيق يحاول كشف حجم المشكلة، وأسبابها، وتأثيرها، ويطرح شهادات واقعية وحلولًا متاحة.
القصة الإنسانية: “ابني أصبح غريبًا في البيت…”
تقول أم يوسف، 42 عامًا، إن ابنها البالغ من العمر 14 عامًا أصبح شبه منعزل:
“بيرجع من المدرسة يرمي الشنطة ويمسك الموبايل… نسيت شكله وهو بيضحك من غير شاشة.”
تشكو الأم من تغيّر سلوك ابنها… العصبية الزائدة، السهر حتى الفجر، وعدم القدرة على التركيز في الدراسة.
تضيف بحسرة:
“لما باخد منه التلفون يبكي وكأنه فقد حاجة غالية.”
هذه ليست حالة فردية؛ بل نموذج يتكرر في آلاف البيوت العربية.
الأرقام تتحدث
دراسة لمنظمة الصحة العالمية تشير إلى أن واحدًا من كل 4 مراهقين يعاني من أعراض الإدمان الإلكتروني.
متوسط استخدام الهواتف الذكية في العالم العربي يتراوح بين 6–9 ساعات يوميًا.
35% من الشباب يعترفون بأنهم لا يستطيعون ترك الهاتف حتى أثناء النوم.
رأي الخبراء
يقول استشاري الطب النفسي:
“الإدمان الإلكتروني يُحدث تغيّرات في مراكز المكافأة بالمخ، تمامًا مثل الإدمان على المخدرات.
الشخص يشعر بالنشوة عند التصفح واللعب، ويصاب بالقلق والانزعاج عند الفقد أو التوقف.”
ويضيف:
“أخطر الفئات هم الأطفال والمراهقون، لأن المخ لا يزال في مرحلة نمو، مما يجعلهم أكثر هشاشة أمام التحفيز السريع للشاشات.”
أسباب تفشي الظاهرة
غياب الرقابة الأسرية أو استعمال التكنولوجيا كوسيلة إسكات للأطفال.
العزلة الاجتماعية بعد فترات الحجر الصحي وجائحة كورونا.
الألعاب الإلكترونية المصممة للإدمان بنظام المكافآت اللحظية.
انتشار المحتوى السريع على منصات مثل TikTok وReels.
ضغوط الحياة ومحاولة الهروب من الواقع.
التأثيرات الخطيرة
على الصحة النفسية
القلق والتوتر المستمر
اضطرابات النوم
ضعف تقدير الذات
زيادة نسب الاكتئاب لدى المراهقين
على الأسرة
ضعف التواصل بين الأبناء والوالدين
تفكك العلاقات الزوجية بسبب الانشغال بالشاشات
غياب الحوار وصعود ثقافة “كل واحد في عالمه”
على الدراسة والعمل
تشتت كامل للتركيز
انخفاض الإنتاجية
ضعف مهارات التفكير العميق
شهادة من داخل المدارس
يقول أحد المعلمين:
“بقيت بدخل الفصل ألاقي نص الطلبة نايمين من السهر على الألعاب، والنص التاني مشغول بالموبايل تحت الدسك.”
ويؤكد أن بعض أولياء الأمور أنفسهم يعانون من الإدمان، مما يجعل السيطرة على الأبناء شبه مستحيلة.
هل يمكن العلاج؟ نعم… ولكن!
يشرح الخبراء أن علاج الإدمان الإلكتروني لا يحتاج دائمًا إلى مراكز علاج، وإنما يبدأ من البيت:
طرق العلاج
تحديد وقت يومي ثابت للهاتف (ساعة أو ساعتين).
إزالة الهاتف من غرفة النوم لمنع السهر.
تشجيع الأنشطة الحقيقية: رياضة – هوايات – قراءة – خروج.
برامج الرقابة الأبوية لمتابعة الاستخدام.
جلسات علاج سلوكي في الحالات الصعبة.
الخلاصة
الإدمان الإلكتروني ليس ظاهرة عابرة، بل تهديد حقيقي يُعيد تشكيل جيل كامل ويؤثر على قيمه وسلوكه وصحته.
المعركة ليست ضد التكنولوجيا… بل ضد الاستخدام المفرط الذي يحول البشر إلى كائنات تابعة للشاشات.
المطلوب اليوم ليس المنع…
بل الوعي، والتنظيم، وإعادة الإنسان إلى مركز حياته… لا هاتفه.





المزيد من القصص
بسبب سوء الاحوال الجويه سقوط شجرة وأعمدة كهرباء متضررة.. طريق جمصة الدولي خارج الخدمة مؤقتًا
النوستالجيا… لماذا يعود جيل اليوم إلى زمن الأمس
الجهاز الهضمى مش مجرد دخول طعام وخروج فضلات فقط دة جهاز ذكى جدا