2 فبراير، 2026

الشرق الأوسط نيوز

آخر الأخبار تعرفونها فقط وحصرياً على الشرق الأوسط نيوز موقع اخباري شامل يدور حول العالم

الألوان ورمزيتها في مصر القديمة

بقلم / جيهان سيد محمد

 

من منا في حياته لا يستخدم الألوان؟ من لا يدرك قيمتها الحقيقية؛ قد تظن أنها تبهج الحياة حولك، أو تعطيها معنى، وربما تهدئ من حالتك النفسية.

قد تتعلق بلون أو آخر بسبب الذوق العام أو حتى ذوقك الشخصي، ربما لأنه لون طفلك المفضل، لكن المصري القديم نظر للألوان بنظرة مختلفة تمامًا، فاعتبرها رموزًا للقوة أو الضعف، الحياة أو الموت، الحرب أو الهدوء.

 

فمثلاً، أطلق المصري القديم اسم دِشر على اللون الأحمر واعتبره رمزًا للقوة والطاقة والحياة، وأحيانًا للخطر أو الفوضى؛ فقد استخدمه في نقوشه لرسم الرجال الأحياء ليعبر عن الحياة، أما في كتاب الموتى فظهر اللون الأحمر في نصوص الأعداء والفوضى.

 

 

وأطلق على اللون الأزرق اسم ارتيو واعتبره رمزًا للحماية والخلود والهدوء؛ فاستُخدم في تماثيل المعبودات مثل آمون كدليل على الأبدية والحماية، كما قدس حجر اللازورد الأزرق واستخدم في التعويذات لحماية الأحياء أو المتوفين.

وأطلق على اللون الأخضر اسم وادج واعتبره رمزًا للخصوبة والنمو والبعث بعد الموت؛ فكثيرًا ما صُوّر المعبود أوزير باللون الأخضر بسبب ارتباطه بالبعث والتجدد، وظُهر أيضًا في رسومات النباتات والحقول الخصبة.

 

وأطلق على اللون الأسود اسم كيمت واعتبره رمزًا للأرض الخصبة والموت والغموض؛ فكانت الأرض السوداء في وادي النيل ترمز للخصوبة والحياة، وظهر الأسود بكثرة في نصوص الموتى والتوابيت.

وأطلق على اللون الأبيض اسم حدج واعتبره رمزًا للنقاء والطهارة والهدوء؛ فكانت ملابس الكهنة والأواني المقدسة بيضاء، واستُخدم أيضًا في الطقوس الدينية للنقاء الروحي.

وأطلق على اللون البني اسم تحوم واعتبره رمزًا للاستقرار والطبيعة؛ فاستخدم في الرسوم الزراعية كدليل على الحياة الواقعية للأرض.

 

وأطلق على اللون البرتقالي اسم تاوني واعتبره رمزًا للطاقة والحيوية، وأحيانًا الحذر؛ فاستخدم بكثرة في تلوين الجلود في النقوش.

هناك ألوان أخرى لم يكن لها أسماء محددة مثل الأصفر أو الذهبي، والذي ربطه بعض العلماء باسم كنجت لكنه ليس مؤكدًا، واعتبره رمزًا للشمس والمعبودات والخلود؛ فظهر في تماثيل المعبودات ورؤوس التوابيت كدليل على الثبات الأبدي.
كما هناك الرمادي، الذي رمز للتوازن والحياد، وأحيانًا الحزن والموت؛ فظهر في بعض اللوحات للجمادات أو الظلال، والوردي الذي كان رمزًا للجمال والشباب والصحة، فلونت به وجوه النساء والشفاه في الرسوم.

 

فلم تكن الألوان عند المصري القديم مجرد أدوات للزينة، بل كانت رموزًا لأشياء أسمى. وما زالت بعض هذه الرموز مستمرة معنا إلى اليوم؛ فالأحمر يرمز للطاقة والحيوية، والأزرق يبعث على الهدوء وصفاء الذهن، والأسود يظل لون الحزن والمناسبات المهيبة، بينما الأبيض يكسو الأفراح والمناسبات السعيدة، والأخضر يرمز للتجدد والنمو.

من خلال هذه الألوان، نلمس كيف استطاع المصري القديم أن يمنح العالم حوله معنى وروحًا لا تنفصل عن حياة الإنسان اليومية، لنكتشف أن لكل لون أثره الخاص في مشاعرنا وأفكارنا حتى يومنا هذا.