بقلم / نوران الرجال
مع بداية عام 2026، عاد ميناء العين السخنة إلى صدارة المشهد الاقتصادي اللوجستي في مصر، بعد افتتاح مشروع محطة البحر الأحمر لتداول الحاويات، أحد أكبر المشروعات التي تم تنفيذها في إطار خطة الدولة لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية، المشروع يحمل آمالا كبيرة فيما يخص جذب العملة الصعبة وزيادة حركة الترانزيت، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام تساؤلات ضرورية حول جاهزية الميناء من الداخل لاستيعاب هذه الطفرة.
محطة البحر الأحمر.. إضافة قوية للاقتصاد
افتتاح محطة البحر الأحمر يمثل خطوة استراتيجية مهمة، ليس فقط بسبب حجم الاستثمار الضخم الذي تجاوز 1.5 مليار دولار، ولكن أيضًا لما تضيفه من طاقة تشغيلية تصل إلى نحو 1.7 مليون حاوية سنويا في مرحلتها الأولى، مع خطط للتوسع مستقبلا إلى أكثر من 3 ملايين حاوية.
المحطة تتمتع بأعماق بحرية كبيرة تسمح باستقبال السفن العملاقة، وهو ما يعزز من تنافسية الميناء مقارنة بعدد من الموانئ الإقليمية، ويمنح مصر فرصة حقيقية لاقتناص جزء أكبر من حركة التجارة العالمية المارة بالبحر الأحمر وقناة السويس.
لا شك أن هذه المشروعات قادرة على توفير عملة صعبة، وزيادة إيرادات الدولة من رسوم التداول والخدمات، فضلا عن خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعات النقل والخدمات والتخزين.
لكن… هل الميناء جاهز من الداخل؟
رغم أهمية هذه الإنجازات، فإن الواقع التشغيلي داخل ميناء السخنة يطرح تحديات لا يمكن تجاهلها. فالكثير من المتعاملين مع الميناء، سواء مستوردين أو سائقي شاحنات أو شركات لوجستية، يشكون منذ فترة من تأخر دخول الشاحنات عبر بوابة السخنة، وامتداد فترات الانتظار لساعات طويلة، وأحيانا لأيام.
هذه المشكلة لا تتعلق بموسم واحد أو ظرف طارئ، بل أصبحت شبه متكررة، ما ينعكس سلبا على كفاءة سلاسل الإمداد. تأخر دخول الشاحنات يعني ارتفاع تكلفة النقل، وزيادة رسوم الانتظار والتخزين، وفي النهاية تتحمل السوق والمستهلك هذه الأعباء.
أزمة البوابة والتنظيم الداخلي
جزء كبير من الأزمة يرتبط بآليات تنظيم الدخول والخروج داخل الميناء. الاعتماد على إجراءات معقدة، أو أنظمة إلكترونية لا تعمل بكفاءة كاملة في أوقات الذروة، يؤدي إلى تكدس غير مبرر. كما أن محدودية ساحات الانتظار الخارجية، وعدم وضوح جداول الدخول، يضع السائقين في حالة انتظار مفتوحة بلا توقيت محدد.
في موانئ عالمية تنافس السخنة، يتم احتساب زمن دخول الشاحنة بالدقائق، بينما في السخنة قد يتحول الأمر إلى يوم كامل أو أكثر، وهو فارق يؤثر بشكل مباشر على سمعة الميناء وقدرته على جذب عملاء دائمين.
التأثير على حركة التجارة
المشكلة لا تقف عند حدود الشاحنات فقط، بل تمتد إلى حركة البضائع نفسها. فكل يوم تأخير داخل الميناء يعني تعطيل مصانع، وتأخير خطوط إنتاج، وارتفاع أسعار نهائية. ومع سعي الدولة لزيادة الصادرات وجذب الاستثمارات الصناعية، يصبح من الضروري أن تكون الموانئ عنصر تسهيل لا عائق.
بعض الشركات بدأت بالفعل في مقارنة السخنة بموانئ بديلة في المنطقة، وهو مؤشر يجب التوقف عنده مبكرًا قبل أن يتحول إلى اتجاه عام.
تصنيف عالمي… وتشغيل لا يواكبه
المفارقة اللافتة أن ميناء العين السخنة، المصنف ضمن الموانئ العالمية، يواجه في واقعه اليومي تحديات تشغيلية لا تتناسب مع هذا التصنيف. بالتصنيف الدولي لا يمنح فقط لطول الأرصفة أو أعماق الممرات الملاحية، بل يفترض بالأساس كفاءة التشغيل، وسرعة تداول البضائع، و انسيابية حركة الشاحنات. وهنا يظهر التناقض بوضوح.
كيف يمكن لميناء معترف به عالميا أن تتحول بواباته إلى عنق زجاجة؟
وكيف لميناء يستقبل استثمارات بمليارات الدولارات أن يعجز عن تنظيم دخول الشاحنات بزمن محسوب؟
هذا التناقض يطرح سؤالا جوهريا: هل نكتفي بالحصول على التصنيف، أم نعمل على استحقاقه فعليًا على أرض الواقع؟
في الموانئ التي تنافس السخنة عالميا، يقاس نجاح الميناء بعدد الساعات التي يوفرها للعميل، لا بعدد المشروعات التي يفتحها. أما في السخنة، فما زال المستثمر أو المستورد يسمع عن “ميناء عالمي”، لكنه يتعامل يوميًا مع واقع تشغيلي محلي شديد التعقيد.
الخطر الحقيقي أن استمرار هذه الفجوة بين السمعة الدولية والأداء التشغيلي قد يحوّل التصنيف من نقطة قوة إلى نقطة مساءلة. فشركات الملاحة لا تتخذ قراراتها بناءً على البيانات الصحفية، بل على التجربة الفعلية، وزمن الإفراج، وتكلفة التأخير.
ما المطلوب في المرحلة القادمة؟
المرحلة الحالية لا تحتاج فقط إلى افتتاح مشروعات جديدة، بل إلى تطوير شامل للبنية التشغيلية داخل الميناء نفسه.
المطلوب هو:
تحديث منظومة بوابات الدخول وربطها بجداول إلكترونية واضحة.
زيادة كفاءة أنظمة الفحص والتفتيش لتقليل زمن الانتظار.
توسيع ساحات الانتظار وتنظيم حركة الشاحنات بشكل أكثر انضباطًا.
إشراك شركات لوجستية محترفة في إدارة الحركة الداخلية.
الخلاصة
ميناء السخنة يمتلك كل المقومات ليكون أحد أهم موانئ المنطقة، ومشروع محطة البحر الأحمر خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح. لكن النجاح الحقيقي لن يقاس بعدد الأرصفة أو طولها، بل بمدى سلاسة حركة البضائع وسرعة دخول وخروج الشاحنات.
إذا نجحنا في معالجة التحديات التشغيلية بنفس الجدية التي نفذت بها المشروعات الكبرى، يمكن حينها القول إن ميناء السخنة لا يحقق فقط عوائد مالية، بل يقدم نموذجا متكاملا لميناء عصري يخدم الاقتصاد الوطني بكفاءة واستدامة.





المزيد من القصص
وزيرا الاستثمار والتجارة الخارجية والمالية يعقدان لقاءً موسعًا مع مسؤولى شركة Archer Aviation الأمريكية لبحث سبل تعزيز التعاون في مجال تطوير حلول النقل الجوي المستدام
وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة تعلن بدء تطبيق منظومة متكاملة لإدارة المخلفات بمحمية نبق ضمن مشروع «جرين شرم»
وزير الإسكان يتابع مستجدات منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الجديدة.. وأبراج وبحيرات “داون تاون” بالعلمين الجديدة