بقلم/الكاتبة والإعلامية راندا ابو النجا
سفير سلام دولي – أكاديمية الحرية والسلام وحقوق الإنسان
ليست كل الجرائم تُرتكب بسكين وليست كل الدماء تُرى بالعين
فهناك جرائم تُرتكب بكبسة زر وضحاياها يمشون بين الناس بأجساد حية وقلوب مثقلة بالوجع والانكسار.
في زمن أصبح فيه الهاتف محكمة والتعليق حكمًا والمشاركة تنفيذًا للعقوبة صار البعض يتاجر بأعراض الناس كما يتاجر التجار بالبضائع
صورة مسروقة إشاعة كاذبة أو مقطع مُجتزأ كفيلة بأن تهدم حياة كاملة وأن تحوّل إنسانًا إلى فريسة لجمهور لا يعرف الرحمة
الأخطر من الجريمة نفسها أن هناك من يصفق لها ويشاركها، ويمنحها حياة جديدة مع كل ضغطة على زر “إرسال”.
وهنا تبدأ القضية
قضية مجتمع نسي أن الستر عبادة وأن التشهير جريمة وأن الكلمة قد تقتل كما تقتل الرصاصة
أولًا عندما يتحول الشرف إلى ترند
في الماضي كانت الأخطاء تبقى في نطاقها الضيق أما اليوم فقد أصبح التشهير صناعة قائمة بذاتها
بدلًا من النصح أصبح البعض يفضح، وبدلًا من الستر أصبح البعض يبحث عن المشاهدات والإعجابات
بنت أخطأت أو تعرضت للخداع أو وقعت ضحية لمجرم إلكتروني، فتتحول قصتها إلى مادة للتسلية، ويتحول ألمها إلى ترند يتداوله الجميع.
والنتيجة أن الضحية تعيش موتًا معنويًا متكررًا مع كل مشاركة وتعليق وإعادة نشر.
ثانيًا الإبتزاز جريمة لا بطولة
الشخص الذي يصور فتاة دون علمها، أو يبتزها أو ينشر صورها وخصوصياتها ليس ذكيًا ولا قويًا كما يظن البعض
إنه مجرم يستغل الثقة ويعتدي على خصوصية الآخرين
والأخطر أن بعض الناس ما زالوا يتعاملون مع هذه الجرائم وكأنها نوع من الشطارة أو القوة بينما هي في حقيقتها جريمة أخلاقية وقانونية وإنسانية مكتملة الأركان
فمن يبتز إنسانًا بضعفه لا يثبت قوته بل يكشف عن ضعفه وانعدام ضميره
ثالثًا الأسرة بين الحماية والعقاب
بعض الأسر تتعامل مع الخطأ بمنطق العقاب فقط فتنسى أن الإحتواء والتوجيه هما الطريق الحقيقي للعلاج
فالبنت تحتاج إلى الحوار والتوعية والثقة لا إلى الخوف الدائم
والأسرة القوية ليست التي تهدم أبناءها عند أول خطأ بل التي تساعدهم على النهوض بعده
فالقتل ليس حلًا والعنف ليس تربية والقسوة لا تصنع إنسانًا سويًا
بل إن أعظم أشكال القوة أن يحتوي الأب أبناءه وأن تمنح الأم ابنتها الأمان الذي يجعلها تلجأ إليها قبل أن تلجأ إلى الغرباء
رابعًا نحن أيضًا مسؤولون
المشكلة لا تقف عند المبتز أو ناشر الفضيحة فقط
هناك جيش كامل من المشاركين دون أن يشعروا.
كل من يضغط “مشاركة”، وكل من يكتب تعليقًا ساخرًا وكل من يتداول الشائعات دون تحقق يضيف حجرًا جديدًا إلى جدار الألم الذي يُبنى حول الضحية.
فالجريمة لا يعيشها الجاني وحد، بل يساهم فيها كل من يساعد على انتشارها.
قبل أن تغلق هذا المقال، اسأل نفسك سؤالًا واحدًا
كم روحًا ساهمت في كسرها كلمة؟ وكم إنسانًا دفعته الشائعات إلى العزلة أو الانهيار أو فقدان الأمل؟
لا تقل: “أنا مجرد شاهد”، فالشاهد الذي يصفق للظلم شريك فيه، والذي ينشر الفضيحة شريك في الجريمة، والذي يلتزم الصمت أمام الأذى وهو قادر على منعه يتحمل جزءًا من المسؤولية.
تذكروا دائمًا أن الله لم يأمرنا بتتبع العورات، بل أمرنا بالستر والرحمة والإصلاح.
فربما تكون الصورة التي نشرتها سببًا في دمار بيت، وربما يكون التعليق الذي كتبته جرحًا لا يلتئم، وربما تكون المشاركة التي ظننتها بسيطة نقطة سوداء في صحيفة أعمالك يوم لا ينفع الندم.
وفي النهاية
الشرف ليس ما تفضحه أعين الناس بل ما تحفظه القلوب من أخلاق ورحمة
فإما أن تكون يدًا تستر، أو يدًا تهدم.
وستبقى الحقيقة التي لا تتغير
من ستر إنسانًا ستره الله، ومن فضح إنسانًا فضح نفسه قبل أن يفضح غيره





More Stories
التيك توك يلتهم عقول أطفالنا.من المسؤول؟
بين القانون والرحمة من يدفع الثمن؟
قبلة أشعلت الجدل.. هل أصبح التعبير عن الحب تهمة في العلن؟