بقلم ـ الكاتبة والباحثة فاطمة الزهراء الغازي

يشكل عيد العرش المجيد إحدى أبرز المناسبات الوطنية التي يستحضر فيها المغاربة مسيرة البناء والإصلاح، ويجددون اعتزازهم بالرابطة التاريخية التي تجمع العرش العلوي المجيد بالشعب المغربي في إطار البيعة الشرعية، باعتبارها أساس استمرارية الدولة ووحدتها واستقرارها. ويكتسي الاحتفال بهذه الذكرى هذه السنة دلالة خاصة، إذ يتزامن مع مرور ربع قرن على تولي صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، عرش أسلافه المنعمين، وهي مرحلة شهدت تحولات عميقة جعلت المغرب أكثر قوة وتنافسية وحضورًا على المستويين الإقليمي والدولي.
فقد ارتكزت الرؤية الملكية، منذ سنة 1999، على مشروع استراتيجي متكامل جمع بين تحديث المؤسسات، وتعزيز التنمية الاقتصادية، وترسيخ العدالة الاجتماعية، والاستثمار في الرأسمال البشري، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية والهوية الحضارية للمملكة. وتجسد ذلك في إنجاز مشاريع هيكلية كبرى شملت تطوير شبكة الطرق والسكك الحديدية، وإنجاز ميناء طنجة المتوسط، وتعزيز القاعدة الصناعية، والانتقال نحو الطاقات المتجددة، إلى جانب إطلاق مشاريع استراتيجية في مجال الأمن المائي، بما جعل المغرب نموذجًا في التخطيط الاستباقي ومواجهة التحديات المستقبلية.
وفي موازاة ذلك، أولت القيادة الملكية أهمية خاصة لبناء الإنسان، من خلال إصلاح منظومة التعليم، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتأهيل المنظومة الصحية، وتمكين المرأة، ودعم الشباب، باعتبار الرأسمال البشري أساس التنمية المستدامة. كما شكل دستور سنة 2011 محطة مفصلية في مسار تحديث الدولة، بما رسخه من مبادئ الحكامة الجيدة، ودولة الحق والقانون، واستقلال السلطة القضائية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما عزز ثقة المواطنين والشركاء في المؤسسات المغربية.
وعلى الصعيد الخارجي، رسخ المغرب حضوره بوصفه شريكًا موثوقًا، بفضل دبلوماسية ملكية متبصرة تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز التعاون جنوب–جنوب، وتوطيد العمق الإفريقي للمملكة، والإسهام في ترسيخ الأمن والاستقرار والتنمية. وظلت قضية الوحدة الترابية في صدارة أولويات السياسة الخارجية، حيث شهدت السنوات الأخيرة تناميًا ملحوظًا في التأييد الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، بالتوازي مع النهضة التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، والتي تؤكد أن الصحراء المغربية ليست مجرد قضية دبلوماسية، بل جزء أصيل من المشروع الوطني، وأن المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها، بوحدة تستند إلى الشرعية التاريخية، والإجماع الوطني، والتنمية المتواصلة، والدعم الدولي المتزايد.
كما عزز المغرب إشعاعه الحضاري من خلال رصيده الثقافي المتنوع، وترسيخ قيم الاعتدال والتسامح، والنجاحات الرياضية والتنظيمية التي توجت بالاستعداد لاحتضان كأس الأمم الإفريقية والمشاركة في تنظيم كأس العالم 2030، بما يعكس الثقة الدولية في مؤسسات المملكة وكفاءاتها.
إن حصيلة خمسة وعشرين عامًا من العهد الزاهر لا تختزل في تراكم المشاريع، بل في بناء نموذج مغربي متوازن، يجمع بين الأصالة والتحديث، والاستقرار والإصلاح، والتنمية الداخلية والحضور الدولي. ويظل عيد العرش المجيد مناسبة لتجديد الاعتزاز بهذا المسار، واستلهام قيم المسؤولية والوحدة، ومواصلة العمل من أجل مغرب أكثر ازدهارًا وريادة، في ظل القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، مع الدعاء بأن يحفظه ويمتعه بموفور الصحة والعافية، ويقر عينه بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، ويشد أزره بصنوه السعيد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، ويحفظ سائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة، ويديم على المملكة المغربية نعمة الأمن والاستقرار والرخاء





More Stories
الجرائم السيبرانية المستحدثة واستهداف صانعات المحتوى الهادف: مقاربة قانونية ونفسية في ضوء علم الإجرام
عيد العرش المجيد: ربع قرن من التحول الاستراتيجي وتعزيز المكانة الدولية للمملكة المغربية
ما بين الغرور وعزة النفس مسافة لا يراها الجميع