بقلم ـ الكاتبة والباحثة فاطمة الزهراء الغازي
فرض التحول الرقمي واقعًا جديدًا أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً للإبداع ونشر المعرفة، لكنها في المقابل أفرزت أنماطًا مستحدثة من الجرائم السيبرانية التي لم تعد تستهدف الأنظمة المعلوماتية فحسب، بل امتدت إلى الاعتداء على الأشخاص وحقوقهم المعنوية. وتعد صانعات المحتوى الهادف من أكثر الفئات عرضة لهذه الاعتداءات، بالنظر إلى حضورهن الرقمي وتأثيرهن المجتمعي، الأمر الذي يقتضي دراسة الظاهرة من زاويتين متكاملتين: المقاربة القانونية التي تبحث في التجريم والحماية، والمقاربة النفسية في إطار علم الإجرام التي تحلل شخصية الجاني ودوافعه الإجرامية.
من الناحية القانونية، تمثل الجرائم السيبرانية المستحدثة تحديًا للتشريعات الجنائية التقليدية، لأنها تعتمد على وسائل تقنية متطورة وأساليب يصعب كشفها وتتبع مرتكبيها. وتشمل هذه الجرائم التشهير الإلكتروني، وانتحال الهوية الرقمية، والابتزاز الإلكتروني، والملاحقة الرقمية، ونشر الصور أو المعلومات الخاصة دون إذن، والتحريض على الكراهية والعنف عبر المنصات الرقمية. وتمس هذه الأفعال حقوقًا دستورية أصيلة، في مقدمتها الحق في الكرامة الإنسانية، وحماية الحياة الخاصة، والحق في الأمن الرقمي، وهو ما يفرض تطوير النصوص القانونية لتواكب التطور السريع للجريمة الإلكترونية، مع تعزيز آليات التعاون القضائي الدولي، وتحديث وسائل الإثبات الرقمي بما يضمن عدم إفلات الجناة من العقاب.
غير أن المقاربة القانونية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم هذه الظاهرة، إذ يؤكد علم الإجرام أن السلوك الإجرامي لا ينشأ من فراغ، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين عوامل نفسية واجتماعية وبيئية. فمن خلال المقاربة النفسية، يتبين أن بعض مرتكبي الجرائم الإلكترونية ضد صانعات المحتوى يعانون اضطرابات في الشخصية، أو نزعات نرجسية، أو شعورًا بالنقص والإحباط، يدفعهم إلى محاولة تعويض ذلك عبر السيطرة على الآخرين أو تحطيم صورتهم الاجتماعية. كما تظهر لدى بعضهم سمات الهوس الرقمي، حيث يتحول اهتمامهم بالمحتوى أو بصانعته إلى مراقبة مستمرة، ثم إلى مضايقات متكررة، وقد تتطور إلى التهديد أو الابتزاز أو التشهير.
ويشير علماء الإجرام إلى أن البيئة الرقمية توفر للجاني شعورًا زائفًا بالأمان بسبب إمكانية التخفي خلف حسابات وهمية، وهو ما يؤدي إلى انخفاض الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية، ويعزز ما يعرف في علم النفس الجنائي بـ”فك الارتباط الأخلاقي”، حيث يفصل الجاني بين سلوكه ونتائجه الواقعية على الضحية. وفي المقابل، تتعرض الضحية لآثار نفسية قد تشمل القلق المزمن، والخوف، وفقدان الثقة بالنفس، والانسحاب من الفضاء الرقمي، وهو ما يحول الجريمة الإلكترونية إلى اعتداء يمتد أثره إلى الصحة النفسية والاستقرار الاجتماعي.
ومن منظور علم الإجرام، فإن استهداف صانعات المحتوى الهادف لا يرتبط دائمًا بدافع شخصي، بل قد يكون انعكاسًا لرفض بعض الأفراد للنجاح أو التأثير الإيجابي الذي تحققه المرأة في المجال الرقمي، فتتحول الغيرة أو الكراهية أو الرغبة في الشهرة إلى دافع إجرامي يستخدم الوسائل الإلكترونية للإيذاء والتشهير. وهنا تتجلى أهمية السياسة الجنائية الحديثة التي لا تقتصر على العقاب، وإنما تقوم على الوقاية والكشف المبكر عن السلوكيات الخطرة، والتوعية الرقمية، وتوفير الدعم النفسي والقانوني للضحايا.
إن مواجهة الجرائم السيبرانية المستحدثة تقتضي تبني رؤية شمولية تجمع بين الردع القانوني والتحليل العلمي لشخصية المجرم، فكلما كان التشريع أكثر مواكبة للتطور التقني، وكان فهم الدوافع النفسية أكثر عمقًا، أصبحت السياسات الجنائية أكثر فعالية في حماية الأفراد، وصون حرية التعبير، وضمان بيئة رقمية آمنة. فحماية صانعات المحتوى الهادف ليست مجرد حماية لفئة اجتماعية، بل هي حماية للحق في الإبداع والمعرفة، وترسيخ لمبدأ سيادة القانون في الفضاء الرقمي، وتجسيد لدور علم الإجرام في تفسير الظاهرة الإجرامية والحد من آثارها قبل وقوعها





More Stories
عيد العرش المجيد: ربع قرن من البناء وترسيخ المكانة الدولية للمملكة المغربية
عيد العرش المجيد: ربع قرن من التحول الاستراتيجي وتعزيز المكانة الدولية للمملكة المغربية
ما بين الغرور وعزة النفس مسافة لا يراها الجميع